الجزء الخامس والسبعون: حين بدأت الرابطة تخرج من الحفظ إلى الفتح

الفصل الخمسمئة والثامن والثمانون: المدينة الأولى وراء الجبل

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الخمسمئة والثامن والثمانون: المدينة الأولى وراء الجبل

كان الموضع المختار
مدينةً أو ناحيةً كبيرة
وراء سلسة جبلية قريبة نسبيًا،
تتوسط طريق التجارة،
ويتعاقب عليها متغلبون صغار،
حتى صارت كأنها جرح مفتوح
لا ينغلق لأن كل من يمر به
ينزع عنه الضماد ليأخذ منه ما شاء.

لم تكن مدينة عظيمة الأسوار
ولا ذات سلطان مستقر،
بل مدينة متعبة،
فيها سوق لها روح قديمة
لكنها هزيلة،
وفيها جامعٌ صامت
لأن عالمه يخاف أن يتكلم فيُقتل
أو يطرد
أو يجوع،
وفيها رجالٌ منقسمون
بين من يريد أي قوة تحميه،
ومن يخاف كل قوة لأنها تشبه من سبقتها،
ونساءٌ لا يسألن
من يحكم
بقدر ما يسألن:
من يمنع الليل أن يدخل علينا
كل أسبوعٍ بوجهٍ جديد؟

بدأ عبد الملك
كما بدأ في كل ما نجح فيه:
لم يبعث الجند أولًا،
بل بعث المعنى.

ذهب عالم من علماء الحزام،
ومعه رجل من السوق،
ومعه رجل طريق
ومجلس صغير من أهل الديوان.
جلسوا مع الناس،
سمعوا منهم،
عرفوا أين تُؤكل المدينة،
ومن أين يدخل إليها الخوف،
وأين يمكن أن تنقسم إذا جاء الفتح قبل أن يفهمه أهلها.

وعادت الأخبار إلى عبد الملك واضحة:
أن المتغلب القائم فيها
ليس سلطانًا كبيرًا
بل رجل جباية وسلاح
يعيش على خوف الناس
وأهواء بعض وجوههم.
وأن الناس
إن رأوا من الرابطة
أنها لا تأتي لتأخذ السوق إلى القلب
ولا لتفرض وجوهًا غريبة
مالوا إليها.
لكنهم يحتاجون إلى علامة
تثبت لهم أن الفتح
لن يكون مجرد تبديل متغلب بآخر.

قال عبد الملك:
— إذن نبدأ برسالةٍ
ثم باب أمان
ثم راية.
قال سعيد:
— نعم.
فالمدينة التي تعبت من القهر
لا تُفتح بالتهديد أولًا،
بل بأن تعرف
أن من يقترب منها
لا يشبه من عاشوا تحت أيديهم.

فخرجت إليها رسالة
ممهورة بختم الرابطة،
فيها:
أن المدينة
إن فتحت بابها للعدل
فستدخل في ميزانٍ يحفظ سوقها،
ويثبت قضاءها،
ويعزل المتغلبين عن رقاب أهلها،
ولا يمحو أهلها في اسمٍ جديد.
وأن من ألقى السلاح من أهلها
فله الأمان،
ومن كان له حق
فله باب معلوم،
ومن كان عليه ظلم
فسيُسأل عنه.

ولما قرأها بعض أهلها
قال شيخ من شيوخها:
— هذه أول مرة
نرى قوةً تكتب إلينا
كأننا بشر
لا غنيمة.

وهذا
كان أول شقّ في جدار الخوف.