الفصل الخمسمئة والثاني والثمانون: محمد يمنع العلماء من تحويل الحادثة إلى خطاب غلبة
أما محمد
فكان يعرف أن المنابر
قد تفسد ما يصلحه القضاء
إذا دخله صوت الغالب والمغلوب.
فجمع العلماء،
وقال لهم:
— انتبهوا.
هذه أول فتنة تحت الاسم.
فإما أن تكونوا
حراس ميزانه،
وإما أن تصبحوا
أبواق ألمٍ ينحاز كل واحد فيها
إلى دمه لا إلى الحق.
ثم أضاف:
— لا أريد على المنابر
لغة “الصبر على الجراح”
إذا كانت ستُفهم على أنها دعوة للطرف المقتول
أن يرضى بالسكوت.
ولا أريد لغة “الثبات على المركز”
إذا كانت ستُفهم على أنها تبرئةٌ مبكرة للقلب.
أريد لغةً واحدة:
أن الدم دمٌ تحت الرابطة،
وأن الرابطة
إن لم تحكم فيه بالحق
فقد بدأت تسقط من يومها الأول.
قال عالم من الجهة الداخلة:
— وبعض الناس
يريدون منا اليوم
كلمة نار.
فقال محمد:
— قل لهم:
النار سهلة،
لكن الاسم
لا يُحمل بها.
وقل لهم:
إذا كنتم دخلتم الرابطة
لتجدوا عدلًا أوسع
فلا تقتلوا هذا العدل
بطلبه على صورة الثأر.
ثم أضاف:
— والحق إذا خرج من مجلس القضاء
فمن رده
كان هو الخارج على الرابطة
لا من طالبه بالصبر حتى يظهر.
كانت هذه الكلمات
تبرد رؤوسًا كثيرة
من غير أن تُبرد حرارة الحق.
وفي خطبة الجمعة أو المجالس القريبة منها
بدأ الناس يسمعون شيئًا جديدًا:
أن الدم
إذا وقع في الجسد الواحد
فإن علاجه ليس أن يقطع الجسد نفسه،
بل أن يداويه
من غير أن يغطي الجرح.
وهكذا
صارت المنابر
ظهرًا للقضاء
لا ساحةً موازية له.