الجزء الثالث والسبعون: حين خرج الاسم الكبير إلى الناس

الفصل الخمسمئة والثالث والسبعون: مجلس الاسم

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الخمسمئة والثالث والسبعون: مجلس الاسم

في الصباح
لم يكن هناك موكب صاخب،
ولا أعلام تُنشر قبل أوانها،
ولا رجال يركضون
ليشهدوا لحظةً تاريخية
كما يشهد الناس الأعياد.

كان كل شيء
أهدأ من أن يكون عاديًا.

اختير للمجلس
موضعٌ يتوسط المعنى كما اعتادوا في اللحظات الكبرى:
لا هو قلب المدينة وحده،
ولا طرفٌ بعيد
يشعر معه أهل القلب
أنهم خرجوا من أنفسهم،
بل مكانٌ يعرف الداخل إليه
أنه يجمع
القلب والجهات والطرق والأسواق والوجوه
تحت سقفٍ واحد.

جلس الحاضرون
في هيئةٍ لم تعد تشبه المجالس القديمة.
فهناك وجوه من البوسنة،
ووجوه من الجهات الداخلة في ظل العهد،
وشيوخ سوق،
وعلماء،
ورجال طريق،
وممثلون عن الجهات التي دخلت الميثاق الممتد،
وفي الأطراف
كانت النساء حاضرات حضورًا لا هامشيًا،
لا لأنهنّ سيقلن الاسم،
بل لأن الاسم
لم يكن ليولد على حقيقته
لولا أن البيوت نضجت له.

وقف عبد الملك،
لكن سعيدًا أشار إليه أن يجلس أولًا.
ثم قام هو.

كان الناس يعرفون
أن الرجل إذا قام في هذه اللحظة
فإنه لا يقوم ليملأ الفراغ،
بل ليزن الكلمة الأخيرة
قبل أن تخرج من مجلسٍ إلى زمن.

قال سعيد:

— يا أهل البوسنة…
ويا من دخلتم في ظل هذا العهد
من الجهات والطرق والنواحي والبيوت…
لقد مشينا طويلًا
من الخوف إلى الباب،
ومن الباب إلى العهد،
ومن العهد إلى الظل،
ومن الظل إلى الميثاق،
ومن الميثاق إلى السؤال الذي لا بد أن يأتي:
ما الاسم الذي يحفظ هذا كله
من أن يبقى متفرقًا في القلوب والوثائق؟

ثم سكت،
وأعطى للكلمة التالية
حقها من الهواء،
وقال:

— ما أردنا اسمًا
ليكون زينةً لما بنيناه،
ولا رايةً نغطي بها شقوقًا لم تُعالج،
ولا بابًا لمجد رجل أو بيت،
بل أردناه
لأن العدل إذا كثر في أبوابٍ متفرقة
طلب سقفًا،
ولأن الظل إذا طال
طلب اسمًا يورَّث،
ولأن الجهات المختلفة
إذا أحبت أن تعيش في نظامٍ أوسع
احتاجت إلى كلمةٍ تعرف بها نفسها
ولا تضيع تحتها وجوهها.

ثم التفت إلى عبد الملك،
وقال أمام الناس:
— ولقد شهدتُ أنا،
وشهدتم أنتم،
وشهدت الأسواق والنساء والجرحى والطرق والعلماء
أن هذا الرجل
لم يطلب الاسم لنفسه،
بل ظل يؤخره
حتى نضج له من الواقع
ما لا يفضحه إذا خرج.

ثم جلس.

وقام محمد،
وتكلم بلسانٍ كان الناس ينتظرونه في مثل هذه الساعة:
— إن الاسم الذي يخرج اليوم
ليس غلبةَ قومٍ على قوم،
ولا ذوبان طرفٍ في قلب،
ولا رفع رجل فوق المساءلة،
بل هو ميثاق عدلٍ جامع
يدخل فيه المختلفون
على حفظ الدم،
وصيانة الكرامة،
وثبات القضاء،
وتوازن السوق،
وحق البيوت أن تعرف من هي
إذا سألتها الأجيال القادمة.

ثم تكلم شيخ من جهة صغيرة،
وقال:
— نحن لم نأتِ اليوم
لنمحو أسماءنا،
بل جئنا لأننا وجدنا في هذا السقف
ما حفظ أسماءنا من الضياع.
فإن سُمّي اليوم
فنحن لا ندخل اسمًا فوقنا،
بل ندخل كرامةً أوسع.

وكانت الكلمة قد اقتربت الآن
إلى الحد الذي لم يعد معه الرجوع راحة.

نظر الناس إلى عبد الملك.

فقام.

ولم يرفع صوته أول الأمر،
بل جعل الناس يقتربون إليه بقلوبهم قبل آذانهم،
وقال:

— يا أهل البوسنة…
ويا من دخلتم معنا هذا الطريق
من قريب وبعيد…
إن ما جمعنا
لم يكن خوفًا فقط،
ولا منفعةً فقط،
ولا حربًا فقط،
ولا ميثاقًا يكتب ثم يعلّق.
الذي جمعنا
أننا تعبنا من أن تعيش البلاد
في أسماء صغيرة
تأكلها الوحشة والظلم والتفرق،
ورأينا أن العدل
إذا لم يُحمل في بنيانٍ معلوم
تعب من حمله الرجال وحدهم.

ثم قال الجملة التي بقيت بعد ذلك
من أعظم ما حفظته الذاكرة:

— ومن اليوم،
فإن ما بين البوسنة والجهات الداخلة في ميثاقها
يُسمّى:
رابطةَ العهدِ الجامعة.

ساد الصمت.

ذلك الصمت
الذي لا يكون فراغًا،
بل عبورًا.

ثم أكمل:

— ليست رابطةً تذيب،
بل رابطة تحفظ.
وليست جامعةً تغلب،
بل جامعة تعدل.
وليست عهدًا على الورق فقط،
بل عهدًا في الدم والقضاء والسوق والبيوت والطرق.
ومن دخل فيها
فلا يدخل تابعًا صامتًا،
ولا غالبًا مستعليًا،
بل يدخل شريكًا في عدلٍ أوسع
يُسائل ويُحمَل ويُحفظ.

ثم قال:
— ونشهد الله والناس
أن هذا الاسم
ليس إعفاءً لنا من المحاسبة،
بل زيادةٌ في أمانتنا،
وأن من ظلم داخل هذه الرابطة
فقد خانها،
ولو كان أقرب الناس إلينا.

كانت الكلمات
تسقط في القلوب
كما يسقط المطر على أرضٍ انتظرته طويلًا،
لا لأنه يدهشها،
بل لأنه يروي ما فيها من عطش قديم.

ثم وقف الناس،
لكن لا على هيئة هتافٍ غوغائي،
بل على هيئة من فهم
أن التاريخ خرج الآن من ظله
إلى اسمه.

وترددت العبارة الأولى في الموضع
ثم في الأطراف
ثم كأنها خرجت إلى ما وراء المكان:

رابطة العهد الجامعة.