الفصل الخمسمئة والثاني والسبعون: الليلة التي صار فيها الاسم أثقل من التمنّي
لم تكن الليلة التي سبقت خروج الاسم الكبير
ليلةَ فرحٍ صافٍ،
ولا ليلةَ خوفٍ خالص،
بل كانت شيئًا بينهما،
كأنها الليلة التي يقف فيها نهرٌ طويل
على حافة البحر،
ويعرف أن دخوله فيه
لن يضيع ماؤه،
لكنه كذلك
لن يعود بعده كما كان.
كان البيت ساكنًا
لكن سكونه لم يكن فراغًا،
بل امتلاءً.
في صدر المجلس الصغير
جلس سعيد،
وقد مضت عليه من التجارب
ما جعلته يعرف
أن بعض اللحظات
تكون أثقل من أول الدم،
وأشق من أول نصر،
لأن الدم يفرض نفسه،
والنصر يفرض صوته،
أما الاسم
فيحتاج إلى رجل
يعرف متى ينطق
ومتى يسكت
وكم كلمةً يضع
حتى لا يحمّل الناس
ما لم ينضج بعد في قلوبهم.
وجلس عبد الملك قبالته،
وقد كان في وجهه
ذلك المزيج الذي صار يعرفه فيه أبوه جيدًا:
خشوع من يحمل الأمر على أنه أمانة،
ورهبة من يعرف
أن الكلمة إذا خرجت
غيّرت مصائر لا تُحصى.
قال له سعيد:
— أتعلم ما الذي يجعل هذه الليلة عظيمة؟
قال عبد الملك:
— أنها ليست ليلة إعلانٍ فقط.
قال:
— نعم.
ثم أضاف:
— هي الليلة التي سينتقل فيها الناس
من العيش في معنىٍ يعرفونه
إلى العيش في اسمٍ يحملهم.
وهذا أخطر.
لأن المعنى
يحتمل في الظلال تأويلاتٍ كثيرة،
أما الاسم
فإذا خرج
أصبح له على الناس حق،
وللناس عليه حق.
ثم سكت قليلًا،
وأردف:
— أريدك غدًا
أن تتكلم كما تكلمت يوم العبور،
لكن أعمق.
لا كمن يعلن مجدًا،
بل كمن يضع على كتفه
وزنَ من دخلوا هذا السقف
ومن خافوا منه
ومن انتظروا أن يطمئنوا باسمه.
ثم قال:
— إياك أن تجعل الاسم
يعلو على البيوت التي من أجله ولد.
قل لهم إن الاسم
ليس بديلاً عن العدل،
بل حارسًا له.
وليس محوًا للوجوه،
بل جمعًا لها
في موضعٍ لا تأكلها فيه الوحشة القديمة.
دخلت صفية بعد ذلك،
وكانت قد أنهت مجلسًا مع النساء
أوصتهنّ فيه
بأن لا يسبق الفرح في أصواتهنّ
خشية الله في قلوبهنّ.
جلست قريبًا،
وقالت لعبد الملك:
— غدًا
لن يسمع الناس كلمةً فقط.
النساء سيسمعن:
هل صار لأولادنا سقفٌ معلوم؟
والأرامل سيسمعن:
هل صار لدمنا اسمٌ لا يضيع؟
والجهات الصغيرة ستسمع:
هل دخلنا بنيانًا يحفظنا
أم ابتُلعنا في كلمة كبيرة؟
ثم أضافت:
— فلا تجعل الاسم
أثقل من الرحمة التي جاء من أجلها.
خفض عبد الملك رأسه،
وقال:
— أخاف أن أقصر عن حمل هذه اللحظة.
فقال سعيد:
— من خاف هذا الخوف
كان أقرب إلى أن يُعان.
وفي طرف البيت،
كانت مريم تتنقل بين النساء،
وتضبط ما يجب أن يُضبط،
وتنقل إلى فاطمة ما تحتاجه من سكينة،
أما فاطمة
فكانت في تلك الليلة
كأنها تعيش مع الحدث من زاويتين:
زاوية ابنة البيت
الذي بلغ الاسم الكبير،
وزاوية المرأة التي تعرف
أن كل اتساعٍ في الاسم
إن لم يُحفظ بالتواضع
أفسد ما قبله.
وفي مكة،
كان أحمد لا يعلم تفاصيل الساعة،
لكن قلبه
كان قد أدرك من أثر الرسائل
أن شيئًا كبيرًا يقترب.
فأطال قيامه تلك الليلة،
ودعا دعاءً
لو سمعته البوسنة
لأحست أن بابها في الحرم
لم يكن يومًا زينةً لها،
بل سترًا ورحمة.
وهكذا
دخل الجميع إلى الليل
كأنهم يدخلون إلى فجر
يعلمون أنه آتٍ،
لكنهم لا يريدون أن يسبقوه
بضجيجهم.