الفصل الخمسمئة والسبعون: الاسم الكبير يقترب
مرّت أسابيع أو شهور
والبوسنة تعمل لا لتعلن،
بل لتجعل الإعلان إذا جاء
أثقل من أن يكون مجرد صوت.
صار مجلس التمثيل أقرب إلى صورته النهائية.
وصارت الجهات الداخلة في الظل
تعرف وجوهها في المجلس الأوسع.
وصار للقضاء المشترك
أبواب معلومة.
وصارت الأسواق تتعامل
لا كأطراف متنافرة تحت رحمة اسم كبير،
بل كأعضاء في جسد يعرف أين تضخ المنافع وأين تُحمى.
وصارت النساء في البيوت
أقل خوفًا من الذوبان
وأكثر استعدادًا لأن يربين أبناءهن
على أن لهم انتماءً أوسع
لا يقتل انتماءهم الأول.
وفي هذه الأثناء
بدأت الكلمة نفسها
تقترب من الألسنة
دون أن تُعلن بعد.
قال شيخ من جهة صغيرة:
— لعلنا لم نعد فقط في ظلٍّ ممتد،
بل في شيءٍ أكبر من الظل.
وقال شيخ سوق:
— نعم،
صار لنا ميزان واحد في الأصول
وإن اختلفت أسواقنا.
وقال عالم:
— وصار للناس في الدماء والحقوق
مرجعٌ أعلى
لا يُشعرهم أنهم غرباء فيه.
وقالت امرأة:
— وصار لأولادنا جوابٌ أوليّ
إذا سألوا: من نحن؟
وفي تلك الليالي
كان عبد الملك يشعر بشيءٍ لم يشعر به من قبل:
أن البلاد من حوله
لم تعد فقط تنتظر منه قرارًا،
بل تنتظر أن يُسمّي
ما تعلّم الجميع أن يعيشوا معناه تدريجيًا.
دخل على أبيه ذات ليلة،
وقال:
— أشعر أن الاسم
صار يطرق الباب من جهات مختلفة.
قال سعيد:
— نعم.
وهذه هي الساعة التي يجب أن يزداد فيها خوفك
لا فرحك.
ثم أضاف:
— لأنك إذا سمّيت
نقلت الناس من احتمال التأويل
إلى حمل الحقيقة.
ثم سكت، وأردف:
— لكنني أرى الآن
أن البنيان اقترب بما يكفي
ليُحمل الاسم
إن أنت أتيته
كما يجب.
سأله عبد الملك:
— وكيف يجب؟
قال:
— لا تجعله اسم مجدٍ لك،
بل اسم أمانةٍ لهم.
ولا تجعله إعلان غلبة،
بل إعلان انتقال.
ولا تجعله محوًا لما كان،
بل رفعًا له إلى معنى أعدل.
ثم قال:
— وإذا فعلت هذا
فقد يأتي الزمن
الذي يكتب فيه الناس
أن البوسنة
لم تكبر يوم انتصرت فقط،
بل يوم سمّت ما بنته بصدق.
وهنا،
يصل هذا الجزء إلى عتبته الصحيحة:
ليس إلى إعلان الاسم بعد،
بل إلى اللحظة التي صار فيها الجميع يعرف
أن الاسم الكبير
قد اقترب إلى الحد
الذي لا يعود فيه السكوت راحة،
ولا العجلة سلامة.