الفصل الخمسمئة والسادس والستون: الفكرة حين تقترب من الاسم
كان للفكرة، ما دامت في طور الظل والميثاق والتهيئة،
شيءٌ من الرحمة.
فالناس إذا اختلفوا حولها
قال بعضهم لبعض:
ما زلنا في الباب الأول.
وإذا خاف فريقٌ منها
قيل له:
ليس هذا اتحادًا كاملًا بعد،
بل ترتيبٌ أوسع من السابق.
وإذا ارتبك شيخ سوق،
أو خافت امرأة على بيتها،
أو تردد عالم في بعض التفاصيل،
وجد الجميع فسحةً في أن يقولوا:
ما زال الأمر قيدَ التشكّل.
أما حين تقترب الفكرة من الاسم،
فإنها تدخل طورًا آخر.
لأن الاسم
لا يجمع المعنى فقط،
بل يضعه أمام الناس في صورةٍ لا تعود تحتمل الغموض نفسه.
الاسم يختصر.
والاختصار، على جماله،
يكشف كذلك ما كان الناس يؤجلون النظر إليه.
ولهذا،
حين بدأت الميثاقات الأولى تستقر،
والأسواق تتكيف،
والنساء يجدن لأنفسهن مكانًا كريمًا في البنيان الأوسع،
والعلماء يشرحون الاجتماع بلغة الحق لا الغلبة،
والجهات الصغيرة تتعلم كيف تدخل في السقف الكبير من غير أن تشعر بالمحو،
بدأت كلمةٌ جديدة ترفرف على أطراف المجالس
من غير أن يجرؤ كثيرون على الإمساك بها بعد:
الاسم.
ما اسم هذا كله؟
أهو ظلٌّ ممتد؟
أم عهدٌ واسع؟
أم رابطة؟
أم ميثاق جامع؟
أم شيءٌ آخر؟
وكان عبد الملك يشعر أن الاسم
صار يقترب كما يقترب الفجر من نافذةٍ مغلقة؛
لا تراه أول الأمر،
لكن الضوء يبدأ يبدل لون الأشياء من حولك.
جلس مع أبيه،
وقال:
— بدأت أشعر أن الناس
ما عادوا يطيقون أن تبقى الفكرة بلا اسم طويلًا.
قال سعيد:
— نعم.
وهذا طبيعي.
فالناس تطيق أن تعيش بعض الوقت في ظل المعنى،
لكنها بعد حين
تطلب الكلمة التي تحمل هذا المعنى
حتى تعرف كيف تنتمي إليه.
ثم أضاف:
— لكن تذكر:
ليس كل ما نضج في الواقع
ينضج في الاسم بالسرعة نفسها.
فرب اسمٍ جميل
يفسد لأنه سبق البناء بشهرين فقط.
ورب اسمٍ يتأخر قليلًا
فيحفظ البنيان من أن يتشقق تحت ثقله.
قال عبد الملك:
— وكيف أعرف أن الزمن قد اقترب؟
قال سعيد:
— إذا رأيت أن المختلفين
لم يعودوا يسألون فقط:
كيف نعيش معًا؟
بل صاروا يسألون:
ما الذي نسميه حتى نورثه لأولادنا؟
فهنا اعلم أن الزمن
بدأ يطرق الباب فعلًا.
وسكت قليلًا،
ثم قال:
— لكن لا تجعل الاسم
فرحة لسانٍ قبل أن يكون طمأنينة صدر.
فإن كثيرًا من الرجال
أحبوا أسماءهم الكبرى
ثم ماتت حقائقهم تحتها.