الفصل الخمسمئة والحادي والستون: السوق… هل يخدم الاتحاد الكبير أم يبتلع الصغير؟
كان شيخ السوق من أكثر الرجال فقهًا
بأن الناس
قد يقبلون عدلًا عظيمًا
ثم يرفضونه إذا شعروا
أنه سيقتل أرزاقهم الصغيرة.
ولهذا،
أصرّ أن يكون باب السوق
أول الأبواب العملية
في امتحان الجمع بين المختلفين.
قال لعبد الملك:
— يا سيدي،
الناس قد يصبرون على الاسم،
وعلى المجلس،
وعلى العالم الجديد،
لكنهم لا يصبرون طويلًا
إذا شعروا أن اتحادهم الأوسع
سيجعل السوق الكبيرة
تأكل أسواقهم بالتدريج.
ثم أضاف:
— السوق باب الكرامة اليومي.
ومن ظن أن الناس
يبيعون كرامتهم الاقتصادية بسهولة
لأجل الخطاب الكبير
فقد جهلهم.
فجمع عبد الملك
شيوخ أسواق من القلب
ومن الجهات الداخلة في الظل،
ومن مناطق تتأهب لميثاقٍ أوسع،
وجلس بينهم لا بوصفه حاكمًا يأمر،
بل بوصفه رجلًا يعرف أن خطأً صغيرًا هنا
قد يفتح جرحًا صامتًا طويلًا.
قال:
— لا أريد لاتحادٍ أوسع
أن يكون اسمًا آخر
لأن تزداد المدينة غنى
وتزداد الأطراف تعلقًا بها.
بل أريده
أن يفتح الدورة لا أن يخنقها.
ثم أضاف:
— فإن لم يشعر تاجر الجهة الصغيرة
أن اتساع البنيان
زاد فرصته
ولم يمسخها،
فلن يحب البنيان
ولو أحب قاضيه وعالمه.
ثم خرجوا بأصلٍ جديد:
أن تُربط الأسواق
لكن على قاعدة الحماية المتبادلة،
لا السيطرة من المركز.
وأن تبقى لكل جهة
مساحتها من السلع التي تقوم عليها حياتها
ولا تُكسر بسلع القلب فقط.
وأن تُفتح بعض الممرات المشتركة
بما يتيح للتجار الصغار
أن يدخلوا لا أن يقفوا على أبواب الوسطاء الكبار.
وأن يُمنع الاحتكار
إذا ظهر في السوق الكبرى أو الصغرى على حد سواء.
وأن تُنشأ مجالس أسعار موسمية
لا يفرضها رجل من القلب
ولا يتركها لأهواء كل ناحية وحدها.
كانت هذه أمورًا تبدو صغيرة
لمن يحب الروايات الصاخبة،
لكنها كانت من مفاصل الاتحاد الحقيقي.
قال شيخ من جهة صغيرة
بعد مجلسين أو ثلاثة:
— الآن بدأت أفهم
أنهم لا يريدوننا زينةً في خارطتهم،
بل يريدون أن تبقى لنا سوقنا
ونعيش داخل سوقٍ أوسع.
وهذه الجملة
أحبها عبد الملك.
لأنها تعني
أن السوق
بدأت تُصلح ما تخافه القلوب
من الذوبان والابتلاع.