الفصل الخمسمئة والتاسع والخمسون: ليس أصعب على الدولة من أن تجمع من لا يشبه بعضه بعضًا
كانت الحرب،
على قسوتها،
أهون من هذا الباب من وجهٍ خفي.
فالحرب،
إذا اشتدت،
جمعت الناس تحت خوفٍ واحد،
وجعلت العدو ظاهرًا،
والخندق معلومًا،
والدم يفرز الرجال بسرعة.
أما الجمع بين المختلفين
فلا عدو فيه يقف على تلٍّ بعيدٍ وحده،
بل قد يكون العدو فيه
طبعًا قديمًا،
أو كبرياءً محليًا،
أو ذاكرةً موجوعة،
أو خوفًا من الذوبان،
أو حرصًا صغيرًا على اسمٍ أو مجلسٍ أو عادةٍ
يحسب صاحبها أنه إن تنازل عنها
فقد تنازل عن نفسه كلها.
ولهذا،
حين بدأت فكرة الميثاق الأوسع
تخرج من الضباب،
كان سعيد أكثر هيبةً منها
من هيبته من أوائل المعارك.
قال لعبد الملك:
— يا بني،
إن جمع المختلفين
أشد من كسر يد الحرب.
لأن الحرب
تجبر الناس على أن يروا الخطر خارجهم،
أما الجمع
فيجبرهم أن يروا الخطر في أنفسهم.
ثم أضاف:
— ومن كان عدوه في نفسه
فهو أعسر على العلاج
من رجلٍ يأتيك بسيفه من بعيد.
سكت عبد الملك،
وكان يعرف صدق ذلك.
فقد رأى في الجهات الصغيرة
كيف يمكن أن تتفق على طلب العدل،
ثم تختلف إذا ذُكر الاسم،
أو التمثيل،
أو السوق،
أو موضع القاضي،
أو من يجلس إلى جانب من في مجلسٍ واحد.
قال:
— إذن هذا باب
لا ينفع فيه السلطان وحده.
قال سعيد:
— نعم.
ولا ينفع فيه العلم وحده،
ولا السوق وحدها،
ولا حتى الرحمة وحدها.
هذا باب
ينفع فيه الحلم الطويل.
ثم أردف:
— وأخاف أن بعض من حولك
ما زال يحسن القتال أكثر مما يحسن الصبر على اختلاف الناس.
فإياك أن تجعل أهل الحرب
هم أول من يُدير هذا الجمع.
وكانت هذه وصية كبيرة.
فقد فهم عبد الملك منها
أن البنيان الأوسع
لا يقوم فقط بالرجال الذين نفعوا يوم الوادي،
ولا بالذين ثبتوا في الطريق،
بل بأولئك الذين يطيقون
أن يسمعوا الاختلاف
من غير أن يختصروا الناس في طاعةٍ عمياء.