الجزء الثامن والستون: حين بدأت بعض الجهات الصغيرة ترى في البوسنة مستقبلًا لا جوارًا فقط

الفصل الخمسمئة والتاسع والثلاثون: ظل العهد

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الخمسمئة والتاسع والثلاثون: ظل العهد

عاد الوفد في الغد.
وكانت في وجوههم كرامةٌ حذرة،
كأنهم مستعدون لسماع ما يسرّهم أو يخذلهم،
لكنهم لا يريدون أن ينكسروا في مجلس الرجاء.

جلس عبد الملك
وقد بدا عليه ما يحبه الناس فيه
حين يشتد الأمر:
ذلك الهدوء الذي لا يبرد القلب
ولا يطلقه.

قال:
— لقد سمعناكم،
وفكرنا في أمركم
على قدر ما يجب لهذه الأبواب من الثقل.
ثم سكت قليلًا، وأردف:
— ونحن لا نرى أن ندخلكم اليوم
في صورةٍ أكبر من طاقتكم وطاقة البوسنة معًا.
لكننا كذلك
لا نرضى أن نترككم لما أنتم فيه
وقد مد الله بيننا وبينكم هذا الباب.
ثم جاءت الجملة التي حفظها القوم بعد ذلك طويلًا:
— ندخلكم أولًا في ظل العهد.

نظر بعضهم إلى بعض،
ولم يفهموا العبارة كلها من أولها.
فشرحها:

— يكون لكم من الآن
مجلسٌ موصول بقضائنا.
وعالمٌ من عندنا
يستقر فيكم لا ليغلب عالمكم
بل ليشدّه.
وطريقكم تُدخل في حماية الممرات المنضبطة
على قدر ما نستطيع.
وسوقكم تربط بسوقنا
بما يمنع ابتلاعها.
ويكون لكم وجهٌ منكم
ندخله معنا في مجلسٍ معلوم
حتى لا تكونوا تبعًا صامتًا.
ثم أضاف:
— فإذا ثبتت بيوتكم،
واستقام سوقكم،
وهدأت خصومات وجوهكم القديمة،
نظرنا بعد ذلك
في الصورة الأوسع.

بكى شيخهم.
لم يبكِ كمن أعطي ما يريد كله،
بل كمن شعر أن أحدًا أخيرًا
فهم حاجته من غير أن يخدعه بوعدٍ أكبر من طاقته.

قال:
— هذا أكثر عدلًا
مما لو قلت لنا نعم كاملة
ثم تركتنا نغرق في أثمانها.
وقال عالمهم:
— هذه أول مرة
أرى السياسة
رحيمة وعاقلة في آنٍ واحد.

ومنذ ذلك اليوم
دخلت تلك الجهة
في ظل العهد.

لم تُمحَ أسماؤها،
ولا فُرضت عليها صورةٌ لا تعرفها،
لكنها بدأت تعيش
شيئًا من هواء البوسنة:
ميزانًا في الحكم،
وسكونًا في الطريق،
ووجهًا معلومًا للضعيف،
ولغةً دينية أقل خوفًا،
وسوقًا لا يبتلعها رجل واحد.

وفي أشهرٍ قليلة
بدأ أهلها أنفسهم يقولون:
— لقد تغيرت وجوه الصباح عندنا.
— صرنا لا نستيقظ على السؤال نفسه:
من نهب؟ من هرب؟ من أخذ؟
— صار عندنا بابٌ إذا ظُلِمنا قصدناه.

وكان هذا
أقوى من كل راية.