الفصل الخمسمئة والثامن والثلاثون: سعيد يضع القاعدة الكبرى
حين خلا المجلس بعبد الملك وأبيه
ومن يثق بهم،
قال عبد الملك:
— أخاف أن أظلمهم إن أبطأت،
وأخاف أن أظلم البلاد إن تعجلت.
فقال سعيد:
— هذا هو الموضع الصحيح الذي يجب أن تقف فيه.
ثم أضاف:
— وأريدك أن تحفظ قاعدةً كبرى
قبل أن ندخل في تفاصيل هؤلاء وغيرهم:
البوسنة لا تضم من حولها
لتكثر رقعتها،
بل تدخل من حولها في ظلها
إذا كان هذا يحفظهم
ولا يكسرها.
ثم فصل القول على عادته:
— من يطلب ظلنا على ثلاث صور:
قومٌ لو أدخلتهم اليوم
حملتهم البلاد
وكانوا لها زيادة عظم لا كسرًا.
وقومٌ صادقون في حاجتهم
لكنهم غير متهيئين بعد
لأن بيوتهم ممزقة
أو وجوههم متنازعة
أو رجالهم لم يتطهروا من أهواءٍ قديمة.
فهؤلاء يُدخلون في ظل المعنى
لا في ظل السلطان الكامل بعد.
وقومٌ يطلبوننا
هربًا من خصمٍ آني
لا حبًا للعدل ولا استعدادًا له،
فهؤلاء إن عجلت بهم
حملوك على خصومتهم
ثم انقلبوا عليك عند أول تغير.
ثم نظر إلى عبد الله،
وقال:
— اقرأ لنا القوم.
فقال عبد الله:
— فيهم صدق.
وفيهم تعب حقيقي.
وفيهم عالمٌ صالح.
وفي سوقهم رجال إن دخلوا في النظام
استقام كثير من أمرهم.
لكن في وجوههم أيضًا
خصومتان قديمتان
إن لم تُعالجا قبل الدخول الكامل
دخلتا معنا إلى البوسنة نفسها.
قال محمد:
— إذن نبدأ من باب التهيئة
لا من باب الضم.
وقال سعيد:
— نعم.
وهذا هو الفرق بين رجلٍ يجمع الأرض
ورجلٍ يبني الدول.
ثم قال لعبد الملك:
— قل لهم:
ندخلكم في ظل العهد أولًا،
حتى إذا ثبتتم في بابه
نظرنا بعد ذلك في ما هو أوسع.
وكان هذا التعبير
بالغ الحكمة والجمال:
ظل العهد
لا السلطان الكامل دفعةً واحدة.
أي:
قاضٍ.
وعالم.
ونظام طريق.
ومجلس سوق.
وضمانات للضعفاء.
ووجه من وجوههم يدخل في ربطٍ مباشر مع البوسنة.
لكن من غير أن ترفع الراية النهائية
قبل أن تنضج الأرض والقلوب.
فلما سمع عبد الملك هذا
شعر لأول مرة
أن الباب لم يعد مخيفًا إلى الحد الذي يشلّه،
بل صار طريقًا يمكن حمله.