الجزء الثامن والستون: حين بدأت بعض الجهات الصغيرة ترى في البوسنة مستقبلًا لا جوارًا فقط

الفصل الخمسمئة والسابع والثلاثون: أول مجلسٍ لطلب الظل

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الخمسمئة والسابع والثلاثون: أول مجلسٍ لطلب الظل

لم يأتِ الطلب هذه المرة في رسالةٍ غامضة،
ولا في وفدٍ يستطلع،
بل جاء على صورةٍ مباشرة
ومليئة بالرهبة.

وفدٌ صغير
من جهةٍ جبلية متعبة،
فيها سوقٌ ضعيف،
ووجوهٌ متنازعة،
وعالمٌ صالح قليل الحيلة،
وناسٌ أكلهم الجباة ورجال السلاح سنين،
حتى صاروا لا يطلبون المجد
بل فقط أن يعيشوا في نظامٍ لا يهينهم كل صباح.

دخلوا على عبد الملك،
ولم يبدأ شيخهم بالمجاملات الطويلة.
كأنه يعرف أن بعض الأبواب
تفسدها كثرة الزينة.

قال:
— يا أبا البلاد…
ونحن لا نقولها تملقًا،
بل لأننا لم نجد من سنين
من نرى فيه هذا المعنى.
ثم سكت لحظة،
وأردف:
— نحن لا نجيء اليوم نطلب تحكيمًا في خصومة،
ولا قافلة،
ولا عالمًا لأشهرٍ ثم يمضي.
نحن نجيء لأننا تعبنا من أن نكون معلقين
بين رجالٍ لا يحموننا
وقوىً لا ترانا إلا موضعًا للمرور أو الجباية.
ثم قالها صريحة:
— نريد أن ندخل في ظل البوسنة.

ساد الصمت.

كان هذا من تلك الكلمات
التي إذا قيلت مرةً
لا يعود بعدها المجلس كما كان.

نظر عبد الملك إلى الرجل،
ثم إلى وجوه من معه.
رأى فيها تعبًا صادقًا،
ورأى كذلك شيئًا من الرجاء المخيف.
لأن الرجاء حين يكون بهذا العمق
لا يجوز أن يُجاب عليه بكلمة جميلة فقط.

سأل:
— وماذا تعنون بظل البوسنة؟
قال رجل من القوم:
— أن يكون لنا من العهد
ما لكم من الباب المعلوم،
والقاضي الذي لا يُشترى،
والسوق التي لا تُبتلع،
والطريق التي لا تُقطع إلا على عدوٍ ظاهر،
وأن لا نصير كل عام
ألعوبةً بين رجلين أقوى منا.

هنا،
تكلم محمد،
وقال:
— أتعلمون ما تطلبون؟
إنه ليس فضلًا عابرًا،
بل دخول في نظامٍ يحمّلنا ويحمّلكم.
قال شيخهم:
— لهذا لم نأتِ نطلبه إلا بعد طول نظر.
ما جئنا لأنكم أقوى سيفًا فقط،
بل لأننا رأينا أنكم
كلما اتسعت لكم الأبواب
ازددتم ضبطًا لا فوضى.

وكانت هذه الشهادة
تصل إلى عبد الملك
كأنها حجرٌ آخر يوضع في صدره.

لم يجبهم في المجلس.
بل قال:
— ما طلبتموه
ليس من الأبواب التي تُفتح في ساعة.
لكنه أيضًا
ليس من الأبواب التي تُغلق بكلمة.
ثم أضاف:
— عودوا الليلة أو غدًا.
فنحن لا نريد أن نكذب عليكم
بسرعة الجواب.

وخرجوا،
وقلوبهم بين خوفٍ قديم
ورجاءٍ جديد.