الجزء الثامن والستون: حين بدأت بعض الجهات الصغيرة ترى في البوسنة مستقبلًا لا جوارًا فقط

الفصل الخمسمئة والسادس والثلاثون: ما بعد الجوار

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الخمسمئة والسادس والثلاثون: ما بعد الجوار

كان الجوارُ في المراحل الأولى نعمةً كافية.
أن ترى ناحيةٌ متعبة خلف الجبال
أن إلى جوارها بلدًا لا يُنهب فيه السوق كل أسبوع،
ولا يُهان فيه العالم،
ولا تُترك فيه الأرملة لليلها،
كان هذا وحده يخفف عنها شيئًا من اليأس.

لكن الجوار،
حين يطول النظر إليه،
ويثبت صدقه،
ويصير الناس يرون أثره في الخبز والطريق والعدل،
لا يبقى جوارًا فقط.

يبدأ بالتحول إلى سؤالٍ أخطر:

أيمكن أن يكون هذا مستقبلًا لنا؟

وهذا هو السؤال الذي بدأ يولد
في بعض الجهات الصغيرة التي لم تكن من البوسنة،
ولا من حزامها الأقرب،
لكنها كانت معلقةً بين خرابٍ قديم
وخوفٍ من كل قوةٍ جديدة.

لم تعد هذه الجهات تقول:
— ليت عندهم قاضيًا يفصل بيننا.
أو:
— ليت طريقهم تمتد إلينا في موسم القحط.
بل بدأت تقول في المجالس الضيقة،
وعند أطراف الأسواق،
وفي ليالي النساء،
وعلى أفواه بعض الأئمة المتعبين:

— لو صرنا في ظلهم
هل ننجو من هذا التيه؟

وكانت هذه الجملة
أخطر على عبد الملك من كثير من الرماح.

لأن طلب الجوار
أهون من طلب المصير.

جلس مع أبيه حين وصله هذا المعنى من أكثر من طريق،
وقال:
— بدأ بعضهم لا يطلب بابًا من أبوابنا فقط،
بل يطلب أن يدخل تحت ظلنا على صورة أوسع.
نظر إليه سعيد طويلًا،
وقال:
— نعم.
وهذه ساعةٌ لا يحسنها إلا من لم تغره نفسه قط.
ثم أضاف:
— لأنك إن فتحت هذا الباب بعجلة
صرت جامعًا لأشتاتٍ لا تقدر على حملها.
وإن أغلقته كله
ربما أعدت قومًا إلى الذل
وقد رأوا من العدل صورةً لم يعودوا يطيقون نسيانها.
ثم سكت قليلًا، وقال:
— هذا ليس باب ضمّ أرضٍ،
بل باب ضمّ أقدار.
ومن لا يعرف وزن الأقدار
يفسد الناس حتى وهو يحب لهم الخير.

خفض عبد الملك رأسه،
وقال:
— إذن نحن أمام باب جديد من الأمانة.
قال سعيد:
— نعم.
وأحسب أنه من أثقلها.