الجزء السابع والستون: حين صار على عبد الملك أن يحمي مركز المعنى

الفصل الخمسمئة والثاني والثلاثون: أول مأساةٍ رفضها العدل

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الخمسمئة والثاني والثلاثون: أول مأساةٍ رفضها العدل

في تلك الأيام
جاء إلى دار التحكيم
رجلٌ مفجوع على ظاهر أمره.

وجهه متعب،
وثوبه يحمل أثر سفر،
وكلامه يقطر شكوى.
قال إن أخاه قتل ظلمًا،
وأن أرضهم أخذت بالقوة،
وأنهم يريدون أن تدخل البوسنة
على خصومتهم
وتنصفهم من جيرانٍ متجبرين.

وكان في القصة
من الظلم ما يثير القلب لو سمعه أول مرة.

لكن عبد الله
لم يطمئن.

قرأ أسماءً،
وسأل رجال الطريق،
ووصل إلى محمد
خبر من عالم في تلك الجهة
أن الرجل
ليس كما يبدو كله.
وأنه خلط بين حق له
وظلم أعانه فيه من معه
على قوم أضعف.

فلما اجتمع المجلس،
وقال القاضي:
— إن في دعواه حقًا،
وفيها أيضًا باطل يريد أن يتخفى تحته،
فماذا نصنع؟
نظر عبد الملك إلى سعيد،
ثم قال:
— لا نعينه على باطله
باسم حقه.
ثم أضاف:
— يُرد إليه ما ثبت له،
ويُمنع ما أراد أن يحمله إلينا من ظلمه.

وحين سمع الرجل ذلك
غضب،
وقال:
— إذن أنتم مثل غيركم…
تنصرون من تشاؤون.
لكن عبد الملك
لم يتأثر بغضبه.
وقال:
— لا.
بل لو كنا مثل غيرنا
لأعجبنا بكاؤك
وأعطيناك باسم المأساة
ما ليس لك.
أما الآن
فإنما نمنعك من أن تستخدم عدلنا
سلاحًا لظلم غيرك.

وكانت هذه من أشق لحظات العدل.
لأن الناس بطبعهم
يتأثرون بالمكسور الباكي
ولو كان يحمل في يده الأخرى سكينًا لغيره.

لكن هذا الحكم
انتشر في المنطقة كلها
على نحوٍ عجيب.
وقيل:
— إنهم لم يخدعهم ظاهر المصيبة.
— وإنهم لا يسلمون عدلهم
حتى للمظلوم
إذا أراد به أن يظلم غيره.

وهذا،
على شدته،
زاد هيبة البوسنة.
لأن الخارج بدأ يفهم
أن العدل فيها
ليس عاطفةً رخوة
بل ميزانًا يوجع أحيانًا.