الفصل الخمسمئة والحادي والثلاثون: الحاسدون يتعلمون طريقًا جديدًا
إذا كان المحتاجون
قد بدأوا يتوافدون على أبواب البوسنة،
فإن الحاسدين أيضًا
لم يكونوا غافلين.
فقد فهم خصوم الأمس
ومن حولهم من ذوي القلوب المريضة
أن مهاجمة البوسنة من الخارج بالسيف فقط
لم تعد الطريق الأذكى دائمًا.
بل إن الطريق الجديد
هو أن يثقلوا عليها من جهة سمعتها نفسها.
قال بعضهم في مجالسهم:
— ما دام الناس يريدونها
فلنجعلهم يأتونها بما لا تطيق.
فإما أن تعجز
فتنكسر صورتها،
وإما أن تردّ بعضهم
فيقال:
ها هي لا تنصر إلا من تريد.
وكان هذا كيدًا شديد الخبث.
بدأت تظهر طلباتٌ متشابهة
لكن وراءها رجال يشعلون النزاعات عمدًا
ثم يرفعونها إلى دار التحكيم
ليختبروا سرعتها وهيبتها.
وبدأت مجموعات صغيرة
تدعي أنها تطلب المأوى
وفيها من يريد أن يدخل الفتنة إلى الداخل.
وبعض النواحي
تضخم مظالمها
وتستعمل لغة العدل
لتنتزع من البوسنة
ما لا تستطيع حمله في ذلك الوقت.
قرأ عبد الله هذا مبكرًا،
وقال في مجلس ضيق:
— الحاسدون لم يعودوا يريدون إسقاطنا بالسيف فقط،
بل يريدون أن يتعبونا بأنفسنا.
فقال عبد الملك:
— وهذا أخبث.
قال:
— نعم.
لأن الرجل إذا قاتل خصمه
عرفه.
أما إذا دخل عليك خصمك
في هيئة محتاج إلى عدلك
فإن الفتنة أدق.
أجاب سعيد:
— ولهذا أنشأنا أبواب النصرة.
والآن
يجب أن نحمي الأبواب نفسها.
ثم أضاف:
— أريد لكل باب
رجالًا يفرّقون بين الصدق والتمثيل.
ولكل طلب
وقتًا قبل الإجابة.
ومن استعجلنا
فلا نجعل استعجاله سببًا لأن نترك الميزان.
وقال محمد:
— والعلماء أيضًا
يجب أن يقولوا هذا للناس.
أن البوسنة
لا ترفض المستغيث إذا صدق،
لكنها لا تعين أحدًا
على ظلم غيره
باسم العدل.
وهكذا
تعلمت البوسنة
أن مركز المعنى
إذا اشتد
فإنه يحتاج إلى حراسة
لا من السيوف فقط،
بل من الطلبات الكاذبة.