الفصل الخمسمئة والثالث عشر: حين جاءت اليد التي تريد شراء الروح
لكن السياسة بين البلاد
لا تسمح لك أن تتذوق نجاحًا صغيرًا
إلا ويجيء بعده امتحانٌ أشد.
فبعد الميثاق الأول،
وبعد أن شاع أن عبد الملك
لا يفرّط في الحزام
ولا يغلق الباب كله،
وصلت إلى البوسنة
يدٌ من نوعٍ آخر:
ليست يد جوارٍ محدود،
ولا يد تجارة،
بل يد قوةٍ أكبر
ترى أن الدولة الناشئة
يمكن أن تُشترى قبل أن تشتدّ.
جاء العرض في صورةٍ فاتنة:
دعم مالي،
ومعونة في بعض وجوه التسليح،
وفتح أسواق أوسع،
وربما اعترافٌ أسرع وأثقل من جهات مؤثرة.
لكن وراء هذا كله
شرطٌ غير مكتوب جيدًا في ظاهره
واضح في باطنه:
أن تتجه البوسنة سياسيًا
حيث يريدون هم.
قرأ سعيد الرسالة أو سمع العرض،
فسكت طويلًا.
ثم قال:
— هذه ليست يد جوار،
بل يد شراء.
وقال عبد الله:
— يريدون دولةً تشكرهم أكثر مما تملك نفسها.
وقال محمد:
— وإذا قبلنا
دخل على البلاد معنى فاسد:
أن ما ثبت من الجرح والعدل والليل
يمكن أن يُعاد تشكيله
بذهبٍ يأتي من خارج الروح.
أما عبد الملك
فشعر بثقل شديد.
فالعرض مغرٍ في ظاهره فعلًا:
فهو يخفف بعض أثقال الحرب،
ويفتح أسواقًا،
ويمنح الدولة الناشئة حمايةً نسبية في حسابات الخارج.
لكنّ قلبه
كان قد تربى طويلًا على أن كل باب
إذا فُتح على غير ميزان
ابتلع ما وراءه.
قال لأبيه:
— لو قبلناه
لربما سهلت علينا أمورٌ كثيرة.
نظر إليه سعيد،
وقال:
— نعم.
وقد تسهل عليك أمورٌ كثيرة
إذا بعت روحك أيضًا
ولم يبقَ عندك ما يؤلمك.
ثم أضاف:
— يا بني،
الدول لا تُشترى دائمًا بالسيف،
بل بما يوفر عليها بعض التعب
مقابل أن تعيش بعد ذلك
على الوجه الذي يريده غيرها.
ثم قال جملته القاطعة:
— لا تأخذ من يدٍ
ما يطلب منك أن تغيّر به قلبك.
وكان هذا كافيًا.
فكتب عبد الملك ردًّا
هو من أنضج ما كتبه في السياسة حتى ذلك الحين:
أن البوسنة
ترحب بالعلاقات الكريمة،
وبالتبادل العادل،
وبما يعين على استقرار البلاد لا على تبعيتها،
لكنها لا تدخل في ترتيبٍ
يجعل قرارها الداخلي والخارجي
مربوطًا بإرادة غيرها.
خرج الردّ مهذبًا جدًا،
لكن لا مواربة فيه.
وحين بلغ ذلك الجهة العارضة
فهمت أن البوسنة
لن تُشترى بهذه السهولة.
ولما بلغ الخبر السوق والعلماء والبيت
شعروا بشيءٍ من الراحة العميقة:
أن دولتهم
لم تبرأ من الطمع بالسيف
لتقع في طمع التسهيل.
وكان هذا
من أعظم ما ثبت روح البوسنة
وهي تدخل ميدان السياسة الأوسع.