الفصل الخمسمئة والحادي عشر: مجلس الجوار… لا صداقةَ ساذجة ولا عداوةَ مريضة
بعد هذا الكتاب،
رأى سعيد أن الزمن قد جاء
ليصوغ للبلاد قاعدةً جديدة في التعامل مع الجوار.
فجمع عبد الملك،
ومحمد،
وعبد الله،
ورجلًا من بخارستان يعرف كيف تفسد الدول الصغيرة
إذا أحبت العزلة الكاملة
أو الاستسلام الكامل،
وشيخ السوق الكبير،
ورجلًا من أهل الحزام الحدودي.
وقال:
— ما عدنا في زمن
نقول فيه:
إما الحرب أو الغفلة.
لقد دخلنا زمنًا ثالثًا:
زمن الجوار المحسوب.
ثم أضاف:
— وأريد للبوسنة فيه قاعدةً واضحة:
لا صداقة ساذجة
تجعلنا مأدبة لمن حولنا،
ولا عداوة مريضة
تجعلنا نفتح على أنفسنا أبوابًا لا نطيقها.
ثم نظر إلى عبد الملك،
وقال:
— أريدك أن تحفظ أربع جمل:
نُحسن الجوار ولا نستجديه.
نفتح التجارة ولا نبيع القرار.
ننسق في الطريق ولا نسلّم الحزام.
ونكرم من يكرمنا
لكننا لا نشتري رضاه بأن نقصّ من روحنا.
قال الرجل البخاري:
— الدول حين تولد
تفسدها غالبًا إحدى غريزتين:
إما أن تقول:
لا نحتاج أحدًا.
فتخنق نفسها في عزلةٍ متكبرة.
وإما أن تقول:
نحن حديثو عهدٍ بالثبات،
فلنستند إلى من حولنا أكثر مما ينبغي.
فتتحول إلى تابعٍ جميل الاسم.
ثم أضاف:
— والنجاة
في أن تتعامل مع الجوار
كما يتعامل الرجل الكريم مع من حوله:
واضح الحدود،
حسن المعاملة،
لا يذلّ ولا يتكبر.
وقال شيخ السوق:
— وأنا أريد أصلًا خامسًا:
أن لا نسمح للتجار الكبار في الخارج
أن يدخلوا على بلادنا بما يقتل تجارنا الصغار
ثم نسمي هذا انفتاحًا.
فهزّ سعيد رأسه،
وقال:
— نعم.
فمن لا يحمي سوقه الصغير
يسيء إلى كرامة بلاده من باب لم ينتبه له.
وقال عبد الله:
— وأريد أن يُعرف
أن كل جوارٍ حسن
لا بد أن يمرّ من الحزام
لا أن يقفز فوقه إلى القلب.
فإذا أراد أحدٌ علاقةً معنا
فليمرّ من الطريق،
والسوق،
والضبط،
لا من الإغراء بوعودٍ كبيرة
والأرض تحت أقدامنا لم تثبت بعد بما يكفي.
وهكذا،
خرج مجلس الجوار
بقاعدةٍ ستبقى طويلة الأثر:
أن البوسنة
لا تحيط نفسها بالخوف من الجميع،
ولا تفتح نفسها للجميع،
بل تختار كيف تُحاط
كما تختار كيف تقوم.