الفصل الخمسمئة وثمانية: البلاد التي بدأت ترى نفسها في عيون غيرها
من أجمل وأخطر ما يحدث للبلاد
إذا بدأت تخرج من ضيقها الداخلي
إلى الميدان الأوسع،
أنها ترى نفسها فجأة
في عيون غيرها.
لم تعد البوسنة عند أهلها فقط:
بلادَ جرحٍ وعدلٍ وحربٍ وعهد.
بل صارت أيضًا
في عيون من حولها:
دولة ناشئة،
وقلبًا جديدًا في المنطقة،
وصوتًا في الحرم،
وصلةً كريمة مع بيتٍ رفيع،
وأصلًا بخاريًا يسندها،
وسوقًا جديرة بالمرور،
وحكمًا لا ينهار في أول الدم.
وكان هذا كله
يمكن أن يفسد النفوس لو لم تُربَّ عليه.
لهذا،
جمع عبد الملك وجوهًا من السوق،
والنواحي،
والدواوين،
والعلماء،
وقال لهم:
— من اليوم
قد تسمعون من الخارج كلامًا جديدًا عنكم.
مدحًا،
وخوفًا،
وطلبًا،
وحسابًا.
فلا يدخلنّ عليكم من هذا
ما يفسد إخلاصكم الأول.
ثم أضاف:
— نحن لا نبني البوسنة
لتُعجب من حولها فقط،
بل لتقوم لله وللناس على وجهها الصحيح.
فإن أرضانا الخارج عن أنفسنا
أفسدنا الداخل الذي من أجله ثبتنا.
وقال محمد:
— وربما يمدحنا قوم
يريدون من مدحهم أن يجرّونا إلى ما لا نريد.
وقال عبد الله:
— وربما يخافنا قوم
لا لأننا ظلمناهم،
بل لأنهم اعتادوا أن تكون البلاد من حولهم رخوة.
فلا نحمل خوفهم على أننا أخطأنا.
بل نزن كل عينٍ بما وراءها.
وكانت هذه التربية
مهمة جدًا.
لأن الاعتراف الخارجي
إذا دخل على بلدٍ فقير الروح
ربما حوّله إلى ممثل لنفسه
بدل أن يكون صادقًا في أصل بنائه.
أما صفية،
فكانت تعلم أن النساء أيضًا
يجب أن يسمعن هذا الباب.
فقالت في مجلسٍ لهن:
— إذا سمعتِ أن بلدكِ صار يُذكر في موضعٍ بعيد
فاحمدي الله.
لكن لا تجعلي هذا يغيّر صوتكِ في البيت
ولا عينيكِ في وجه جارتكِ
ولا قلبكِ على الضعيف.
فإن البلاد
إذا كبرت أسماؤها
وصغرت أخلاقها
سقطت وإن ظن الناس أنها ارتفعت.
وهكذا،
دخلت البوسنة طورًا جديدًا من الوعي بنفسها:
أنها لم تعد تراها بعينها فقط،
بل توازن أيضًا
كيف تُرى.