الجزء الثالث والستون: حين بدأ عبد الملك يرى الخريطة الأوسع

الفصل الخمسمئة وستة: عبد الله يرسم حدود الحركة

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الخمسمئة وستة: عبد الله يرسم حدود الحركة

كان عبد الله
أكثر الجميع حذرًا في هذا الباب.

فقد رأى بعين الجريح الذي تعلّم من الزمن
أن الدول تفسد كثيرًا
إذا صدقت نياتها
لكنها أخطأت توقيت الحركة.

قال لعبد الملك:
— أخشى من شيئين.
نظر إليه:
— ما هما؟
— أن يغرّنا حسن نظر بعض النواحي المجاورة إلينا
فنسبق إلى حملها
قبل أن نستطيع احتمالها.
وأن يغرّنا كذلك خوف خصومنا منا
فنظن أن كل فراغ من حولنا
ينبغي أن نملأه نحن.
ثم أضاف:
— ما وراء الحدود
أشد خداعًا من داخلها.
في الداخل،
ترى بيتك وسوقك وعالمك وطريقك.
أما هناك،
فترى الحاجة نعم،
لكن لا ترى دائمًا
ما تحتها من تعقيدات النسب،
والأهواء،
والتدخلات،
والأطماع القديمة.

ثم أخرج خرائطه وأوراقه،
وقال:
— أرى للحركة ثلاث دوائر:
الدائرة الأولى:
الحزام الذي إن لم نثبته
عاد الخراب منه إلينا.
وهذا يجب أن يُحمل.
الدائرة الثانية:
النواحي التي تميل إلينا
لكنها لا تزال تحتاج إلى معنى لا إلى إعلان.
هذه نُحسن إليها،
وننظم معها السوق والطريق والعلم،
لكن لا نتسرع في ضمها السياسي.
الدائرة الثالثة:
البلاد الأبعد
التي يكفي الآن أن تعرف عنا الصورة الصحيحة
دون أن نثقلها أو نثقل أنفسنا.
ثم رفع عينيه إلى أخيه، وقال:
— إذا خلطنا هذه الدوائر
ربما فتحنا لأنفسنا حربًا على جبهةٍ لا نطيقها
أو حملنا على البلاد
من لا يفهم بعد ما يحمله العهد.

أعجب سعيد بهذا الترتيب،
وقال:
— الحمد لله على الجرح مرةً أخرى.
لولا أنك ذقت ما ذقت
لربما كنت اليوم تحب الحركة أكثر من ضبطها.
فتبسم عبد الله ابتسامةً صغيرة،
ولم يقل شيئًا.

وكان هذا
من أعظم ما حفظ للبوسنة توازنها.
أن في قلبها رجلًا
لا يفتنه اتساع الخريطة
ما لم يرَ أين تقف القدمان.