الفصل الخمسمئة وأربعة: صفية والنساء وراء الحدود
فهمت صفية سريعًا
أن ما وراء حدود البوسنة
ليس موضع رجالها فقط،
بل موضع نسائها أيضًا.
فإن البيوت وراء الحدود
قد تكون أكثر إنهاكًا من أن تثور،
وأكثر خوفًا من أن تطلب،
وأكثر عرضةً لأن تُستعمل أجسادها وأولادها
وقودًا للصراع بين رجالٍ لا يسألون عن أثر الحرب في الليل.
ولهذا،
حين بدأت أخبار الحزام الحدودي تتكشف،
قالت لمريم:
— من هناك أيضًا تبدأ البلاد الأوسع.
ليس فقط من الممرات والأسواق.
ثم أضافت:
— إذا كانت النساء في تلك النواحي
يرين في البوسنة ملجأً أخلاقيًا
قبل أن يراها الرجال باب قوة،
فقد دخلنا نصف الطريق الصحيح.
وأرسلت نساءها الثقات
لا بصيغة الدعوة العلنية،
بل بصيغة الزيارة الحكيمة،
والتعرف،
والإنصات،
وتخفيف ما يمكن تخفيفه.
سمعن من نساء الحدود
أشياء لم يسمعها الرجال:
كيف تُبتز الأرامل.
كيف يُجبر بعض الفتيان على أن يصيروا عيونًا أو قطاع طرق
لأن لا رزق أمامهم.
كيف أن نساءً كثيرات
لم يعدن يسألن عن من يحكم
بقدر ما يسألن:
من يمنع أولادنا أن يضيعوا بين رجل جباية ورجل سلاح؟
وعادت النساء بهذه الأخبار إلى صفية،
فقالت لعبد الملك:
— لا تنظر إلى هذا الحزام
كأنه طرفُ أرض فقط.
إنه طرف أرواحٍ أيضًا.
ثم أضافت:
— إذا دخلته بالبئر والخبز والعدل والستر
ثبت لك كما لا يثبت لك بالسيف وحده.
وكان كلامها يوافق ما جاء به الرجال من جهةٍ أخرى.
وهنا بدأت تتشكل في عقل عبد الملك
الصورة الأوضح:
أن ما وراء الحدود
إنما يبدأ بتثبيت
الكرامة اليومية للناس
لا برفع راية فوق رؤوسهم.