الفصل الخمسمئة واثنان: مجلس الخريطة
لم يُرد سعيد أن يترك هذا الباب
خواطرَ في قلب عبد الملك،
ولا أحاديث متفرقة في مجالس السوق والعلماء،
بل أراد أن ينزل به إلى موضعه الصحيح:
مجلس الخريطة.
فجمع فيه:
عبد الملك،
وعبد الله،
ومحمد،
ورجلين من بخارستان يعرفان ميزان البلاد إذا اتسعت،
وشيخًا من السوق يفقه طرق القوافل أكثر مما يفقه بعض الساسة خرائطهم،
وعالمًا من ناحية حدودية،
ورجلًا من أهل الطريق
عاش عمره بين الممرات والجبال
ويعرف كيف تصير القرية الصغيرة
بابًا لحربٍ كبيرة.
بسطوا الخرائط.
لكن سعيد لم يبدأ بالسؤال:
أين نذهب؟
بل بدأ بسؤالٍ آخر:
— أين يبدأ الخطر الحقيقي على البوسنة
إذا تركنا ما حولنا كما هو؟
فساد الصمت.
ثم قال رجل الطريق:
— هناك ثلاث طبقات من الخطر.
الطبقة الأولى:
الممرات التي إذا سقطت في يد فوضى مستمرة
عاد منها السلاح والرجال والنهب إلى حدودنا.
والثانية:
الأسواق الحدودية التي إذا فسد ميزانها
أفسدت تجارتنا وأغرقت أطرافنا بالتهريب والجوع.
والثالثة:
البلاد الصغيرة أو النواحي المضطربة
التي إذا تُركت بلا ظهر
صارت مخازنَ لمن يريد أن يجرّ علينا حربًا لا تنتهي.
وقال العالم الحدودي:
— وهناك طبقة رابعة.
نظروا إليه.
قال:
— الضمير.
فإن الناس وراء حدودنا
إذا رأوا أن عندنا عدلًا
وبقينا نراهم يُذبحون ويُسرقون ويُذلّون
ثم قلنا: هذه ليست أرضنا،
فستبدأ قلوبنا نحن أنفسنا تتغير.
ثم أضاف:
— لا أقول نخرج إلى كل ظلمٍ في الأرض،
لكنني أقول:
هناك مواضع
إذا تركناها وهي تنظر إلينا
أفسدنا معنى ما نقيمه هنا.
أطرق محمد طويلاً،
وقال:
— نعم…
هذا هو الباب الذي كنت أخاف أن يأتي دون أن نتهيأ له.
باب أن يصير العدل عندنا
سؤالًا في أعناقنا عمّا حولنا.
لكن كذلك
لا يجوز أن ننطلق إليه
على صورة من يريد أن يخلّص العالم كله
فينهار قبل أقرب جبل.
أما عبد الله،
فكان أكثرهم برودةً في قراءة الأرض.
قال:
— أنا لا أنظر أولًا إلى من يستحق،
بل إلى من يمكن حمله.
فرب موضعٍ يستحق نصرنا
لكنه لا يُحمل الآن،
ورب موضعٍ أقل صراخًا في المظلمة
لكنه مفتاحٌ لو أُخذ
خفَّ به عنّا وعن غيرنا شر كثير.
ثم أضاف:
— وأنا أرى أن الباب الأول
ليس فتح أرضٍ واسعة،
بل تثبيت الحزام الحدودي.
هنا رفع سعيد رأسه،
وقال:
— هذه أول عبارة صحيحة.
فمن أراد الخريطة الأوسع
فليبدأ بما يجعل الخريطة القريبة
أقل قابلية للخراب.
ونظر إلى عبد الملك،
وقال:
— أظن أن أول ما يجب أن تراه
ليس البلاد البعيدة،
بل هذا الحزام الذي بيننا وبين الفوضى.
إذا ثبت،
أمكن بعده أن نفكر في غيره.
وإذا بقي رخويًا
أكلنا من أطرافنا
ولو ظننّا أننا نكبر.
وهكذا،
خرج مجلس الخريطة
بأول قاعدةٍ استراتيجية كبرى بعد تثبيت الحكم:
أن البوسنة لا تبدأ ما وراء حدودها من قلب الطموح،
بل من حزام الأمان العادل.