الفصل الأربعمئة والسابع والتسعون: السوق الخارجي… حيث تبدأ الدول تُعرف من غير سيوف
قال شيخ السوق الكبير مرةً لعبد الملك:
— الحرب تُخيف من حولك،
والقضاء يُطمئن من دخلك،
لكن الذي يجعل الناس في الخارج يصدقون أنك دولة
هو السوق.
وكان الرجل على حق.
فالدولة إذا لم تُعرف من طرقها وتجارتها وصدق وزنها
ظلت في عيون من حولها
إما تهديدًا عسكريًا،
وإما قصةً أخلاقية جميلة.
أما حين يمرّ التاجر فيها،
ويبيع،
ويشتري،
ويعود فيقول:
“وجدتُ وزنًا وعدلًا وأمنًا ونظامًا”،
فإنها تدخل العالم بطريقةٍ مختلفة تمامًا.
ولهذا،
جعل عبد الملك باب السوق الخارجي
من أوائل ما يُبنى بعناية.
فتح بعض الممرات على حسابٍ لا يرهق الداخل.
وضبط الجمارك أو المكوس على صورةٍ تمنع الظلم
ولا تفتح باب الفوضى.
وأمر أن يُستقبل التجار من الجهات المجاورة
بمعاملة تعرفهم أن البوسنة
لا تريد أن تعيش محاصرة إلى الأبد،
لكنها أيضًا
لن تكون أرضًا مفتوحة للعبث.
وكان من جميل ما فعله
أنه ربط السوق الخارجي بالقضاء لا بالهوى.
فإذا ظلم تاجرٌ من الخارج
فله باب معلوم،
وإذا ظلم هو
لم يُترك دون مساءلة
باسم أنه غريب.
وفي أشهر قليلة،
بدأ يُسمع في الجهات المجاورة قولٌ جديد:
— التجارة عندهم صارت مأمونة.
— الطريق عندهم أوضح.
— الرجل إذا دخل سوقهم
لا يحتاج أن يتلمس ظهرًا سريًا في كل زاوية.
— يبدو أنهم يبنون شيئًا يبقى.
وكان هذا في ميزان السياسة
أقوى من كثير من الرسائل.
لأن السوق الخارجي
يُدخل البوسنة إلى الحساب الإقليمي
من باب المنفعة المحترمة،
لا من باب الخوف وحده.
وقال سعيد:
— الآن فقط
بدأت البلاد من حولنا
تعرف أن البوسنة ليست شأنًا داخليًا استثنائيًا،
بل موضعًا يمكن أن يتعاملوا معه
ويحسبوا له حسابًا طويلًا.