الفصل الأربعمئة والسادس والتسعون: بخارستان تدخل من باب السياسة لا النسب وحده
أما بخارستان،
فقد دخلت في هذه المرحلة طورًا جديدًا من علاقتها بالبوسنة.
لم تعد فقط أصلًا يمدها بالرجال والخبرة،
ولا بيتًا يفرح أن ابنته القديمة صارت قلبًا في رواية عظيمة،
بل بدأت ترى أن ما يثبت في البوسنة
قد يصير له أثر على ميزان بلاد أوسع،
وهذا يعني أن العلاقة بين الأصل والفرع
يجب أن ترتقي من الوجدان والرجال
إلى السياسة الرشيدة.
جاء من بخارستان رجلٌ آخر،
أكبر سنًا وأبعد نظرًا،
لا يكثر الكلام،
لكن كل كلمة منه
كأنها وزنُ طريقٍ طويل.
جلس مع سعيد وعبد الملك وصفية،
وقال بعد مقدمات قليلة:
— من قبل،
كنا نرى في ما عندكم
أصلًا عاد إلى فرعه،
وعلمًا يثبت،
ورجالًا يحسنون البناء.
أما الآن،
فقد صار عندنا سؤالٌ جديد:
كيف نكون معكم
من غير أن نثقل عليكم،
وكيف تكونون معنا
من غير أن نظلمكم أو نظلم أنفسنا؟
ثم أضاف:
— النسب يفتح الباب،
لكن السياسة هي التي تحفظه من أن يُفسده سوء الفهم.
أعجب سعيد بهذه الجملة،
وقال:
— وهذا هو الذي نحتاجه.
لا أريد من بخارستان
أن تكون لنا راية نسبٍ في الخارج،
بل ظهر عقلٍ حين يحتاج العهد
أن يدخل الميدان الأوسع.
فقال الرجل:
— إذن فلنبدأ بقاعدة واحدة:
أن لا يُفهم ما بيننا
على أنه تبعية،
ولا على أنه تبرؤ.
بل على أنه صلة أصلٍ بفرعه
دخلت طور العمل المتبادل.
ثم بدأت بينهم أمور أدق:
كيف تمر الرسائل؟
كيف تُفتح أبواب العلم والإدارة؟
كيف تُصاغ العلاقة
حتى لا يستفز بها الخصوم من حول البوسنة؟
وكيف يبقى ما بين البيتين
قويًا بما يكفي أن ينفع،
وهادئًا بما يكفي أن لا يُستهلك في القيل والقال؟
وكانت صفية تسمع هذا كله
وقلبها في موضعٍ بين الحنين القديم
والرهبة الجديدة.
لقد خرجت من بخارستان رضيعةً منقطعة،
ثم عادت إليها امرأة تعرف أصلها،
وها هي الآن ترى الأصل نفسه
يدخل مع ابنها وبلادها
في مقام السياسة الرفيعة.
فشعرت أن القدر
لا يعيد الأشياء إلى أهلها
كما كانت،
بل كما ينبغي أن تكون.
وفي آخر المجلس،
قال الرجل البخاري لعبد الملك:
— تذكّر دائمًا
أن الأصل إذا أحب الفرع
فليس معنى هذا أن يُضعف شخصيته.
بل أن يعينه على أن يثبتها.
فقال عبد الملك:
— وهذا ما أريده منكم.
أن تثبتوا فينا
ما يجعلنا أصلب
لا تابعين.
وكانت هذه من أنضج لحظات العلاقة كلها.