الفصل الأربعمئة والرابع والثمانون: صفية وتربية بيوت الحكم
في هذه المرحلة،
كان على صفية
أن تدخل بابًا جديدًا لم يسبق أن دخلته البوسنة بهذا الوعي:
تربية بيوت الحكم نفسها.
فقد صار في البلاد ولاة،
ومسؤولون،
ورجال سوق،
وعلماء مرتبطون بالعهد،
وحراس طريق،
ووجوه نواحٍ دخلت في الإدارة الجديدة.
وهؤلاء جميعًا
إن لم تُربَّ بيوتهم
على معنى الحكم
فسدت البلاد من داخلها بسرعة.
قالت لنسائها:
— كنت أخاف من قبل
أن تنفصل نساء الأطراف عن نساء القلب.
أما الآن فأخاف شيئًا آخر:
أن تتغير نساء رجال العهد
قبل أن تتغير البلاد كما ينبغي.
ثم أضافت:
— إذا دخلت السلطة بيت الرجل
ولم تدخل معها التقوى والستر والخوف من الله
أفسدت امرأته أبناءه
وأفسد أبناؤه الناس من بعده.
فبدأت تدعو زوجات الولاة والوجوه الجديدة
إلى مجالس خاصة.
لا مجالس ترفيه أو زينة،
بل مجالس أدب الحكم.
كانت تقول لهن:
— إن زوجكِ
لم يُعطَ موضعًا
ليصير بيتكِ أرفع على بيوت الناس.
بل ليزداد حسابه ويزداد حسابكِ معه.
ثم أضافت:
— لا أريد أن أسمع بعد اليوم
أن امرأة واليٍ
استعلت في السوق
أو ردت مظلومة عن بابها
أو جعلت بيتها ميزانًا للناس.
فإن أول ما يكرهه الناس في الحكم
أن يرى أثره في الزوجات قبل أن يراه في العدل.
وكانت بعض النساء يبكين في هذه المجالس
لا من الوعظ فقط،
بل من هيبة الأمر.
فإنهنّ لم يكنّ قد تعلمن من قبل
أن بيوتهن
جزء من الدولة.
وذات مرة،
قالت إحدى زوجات الولاة الجدد:
— كنا نظن أننا دخلنا مع أزواجنا باب رفعة.
فإذا بكِ تقولين لنا
إننا دخلنا باب خوف.
فابتسمت صفية وقالت:
— نعم.
ومن فهم هذا
نجا من نصف فتنة الحكم.
وهكذا،
أصبح في البوسنة شيءٌ جديد:
أن بيوت الرجال الكبار
بدأت تتعلم أن تخاف على نفسها من النفوذ
كما كانت تخاف من قبل على نفسها من الفقر أو الظلم.
وهذا
كان من أعظم ما يمنع الحكم
أن يفسد في بيوته قبل أن يفسد في مؤسساته.