الفصل الأربعمئة والثالث والثمانون: السلاح… من يملك حمله ومن يسلّمه
كان من أخطر ما ورثته البوسنة القديمة
أن السلاح فيها
لم يكن دائمًا رمز حماية،
بل كثيرًا ما كان رمز هوى،
أو نفوذ شخصي،
أو خوف متبادل بين القرى والنواحي والعائلات.
وحين قامت بوسنة العهد
وصارت الحرب ضرورية في مواضع،
ازداد الأمر تعقيدًا.
فالرجال حملوا السلاح دفاعًا عن البيوت والطريق والعهد،
لكن بقاء السلاح بعد ذلك
في أيدٍ كثيرة
من غير ضبط
يعني أن الحرب ستظل تقيم في البلاد
ولو سكتت المدافع أيامًا.
قال سعيد لعبد الملك:
— لا يثبت الحكم في البوسنة
ما دام كل رجلٍ
يظن أن سلاحه حق شخصي
لا أمانة عامة.
ثم أضاف:
— لكن احذر أن تنزع السلاح كما ينزعه الخائف من الناس.
لا تأخذه من يد من يحمي البلاد
فتُشعره أنك لا تثق بدمه،
ولا تتركه في يد من لم يطهّره بعد من العصبية والهوى.
ولهذا،
رتبوا أمر السلاح على طبقات:
سلاح الجبهة وله رجاله المعروفون.
سلاح الطريق وله أهله.
وسلاح النواحي يُحصر ولا يترك سائبًا.
ومن بقي في يده سلاح
فلا يكون إلا معروف الاسم والباب والوظيفة.
أما حمل السلاح على صورة “أنا رجل لنفسي”
فهذا هو الباب الذي قرر العهد أن يغلقه.
ولم يكن الأمر سهلاً.
فبعض الرجال رأوه انتقاصًا من كرامتهم،
وبعضهم ظنه بدايةً لتجريد القرى من حماية نفسها،
وبعض خصوم العهد
أرادوا أن يستثمروا هذا
فيقولوا:
“ها هم بعدما حملتموهم بأكتافكم
يريدون أن يخلّوكم من القوة.”
لكن عبد الله قرأ الخطر مبكرًا،
فنصح أن لا يخرج الأمر على صورة قرارٍ واحدٍ جاف،
بل على صورة تحويل السلاح من ملكٍ شخصي إلى عهدٍ معلوم.
فكان الرجل
إذا دخل في سجل الحراس أو أهل الطريق أو أهل الجبهة
شعر أنه لم يُجرّد،
بل أُعطي موضعًا.
وكان من لا موضع له
يُفهم أن البلاد لا تحتمل بعد اليوم
أن يعيش فيها رجال الظل المسلحون
باسم الكرامة.
وقال محمد في هذا الباب كلمةً جميلة:
— من حمل السلاح للحق
فلا يضيره أن يحمله بحق.
ومن ضاق صدره
أن يُعرف سلاحه وبابه ووجهته
فلعل في صدره من الهوى
ما يخشى عليه أن يُفتن به.
وكان لهذا القول أثرٌ في تهدئة العلماء والعامة.
وبعد أشهرٍ من العمل الهادئ،
بدأت البلاد تشعر أن السلاح
لم يعد نبتةً برية في كل بيت،
بل جزءًا من نظامٍ أكبر.
وهذا
من أعمق ما يثبت الحكم.