الفصل الأربعمئة والثاني والثمانون: الولاة…
الرجال الذين إن صلحوا استقرت البلاد وإن فسدوا أفسدوها كلها
بعد فتح باب المصالحة المنضبطة،
دخل عبد الملك إلى بابٍ أشد خطرًا وأعمق أثرًا:
باب الولاة.
فالبوسنة لا يمكن أن تُحكم كلها
من قلب المدينة فقط،
ولا بعين عبد الملك أينما التفت،
ولا برجال الحرب أنفسهم في كل موضع.
كان لا بد من ولاةٍ وأمناء ونظارٍ ووجوهٍ يحملون العهد إلى النواحي
على هيئةٍ لا تجعله غريبًا عنها
ولا فريسة لأهوائهم فيها.
وقال سعيد في مجلسٍ خصصوه لهذا:
— إن أخطأت في اختيار الولاة
فسدت عليك البلاد من حيث تظن أنك أصلحتها.
فقد يثبت الرجل في الحرب
ويفشل إذا أُعطي سوقًا أو قضاءً أو دماءً بين يديه.
وقد يكون الرجل عاقلًا صالحًا
لكن الناس لا تقبله في ناحيةٍ معينة
لأنه غريب عن لغتها وعاداتها.
وقد يكون الرجل من أهل الناحية نفسها
لكن في قلبه عصبيةٌ قديمة
لا تظهر إلا إذا شعر أن الحكم صار في يده.
ثم التفت إلى عبد الملك،
وقال:
— الولاة لا يُختارون على قاعدة واحدة.
بعض النواحي يصلح لها رجل من أهلها
إذا دخل العهد صادقًا وتطهرت يده.
وبعضها لا يصلح لها إلا رجل من الخارج
لأن خصوماتها القديمة ستبتلع أحد أبنائها.
وبعضها يحتاج اثنين لا واحدًا:
وجهًا من أهلها،
ورجلًا من العهد يضبطه.
ثم أضاف:
— وأعظم خطأ
أن تكافئ الولاء بالولاية
من غير نظرٍ إلى الأهلية.
جلس عبد الله بعد ذلك
وأخرج أسماء كثيرة،
وأسماء مشطوبة،
وأسماء موقوفة،
وأخرى كتب عندها:
“ينفع في الحرب لا في الحكم”،
“ينفع في السوق لا في القضاء”،
“يُستشار ولا يُولّى”،
“يُختبر سنة”،
“يحتاج مراقبة”.
وكان البخاريون ينظرون بإعجابٍ إلى هذا النَفَس الإداري الذي خرج من بيتٍ عرف الحرب والظلم والدم
ثم لم يسمح لنفسه أن يعيش على العاطفة فقط.
وجلس عبد الملك مع بعض المرشحين بنفسه.
لم يكن يسألهم أولًا عن الشجاعة،
بل عن أمورٍ أدق:
كيف يفصلون بين قريبٍ وغريب؟
كيف يتصرفون إذا جاع سوقهم؟
ما أول ما يفعلونه إذا شكا إليهم ضعيفٌ من رجلٍ صاحب سلاح؟
هل يطيقون أن يُراجعوا ويُحاسبوا أم يحبون السلطان في أيديهم صامتًا؟
وذات يومٍ دخل عليه رجلٌ من أهل ناحيةٍ قوية
كان قد نفع العهد في وقتٍ صعب،
ويظن الناس أنه أولى بالولاية.
فسأله عبد الملك:
— لو وليتك سوق ناحيتك،
وشكا إليك رجلٌ ضعيف من ابن عمك،
فمن تبدأ به؟
تردد الرجل لحظةً،
ثم قال:
— أحاول أن أصلح بينهما.
فقال عبد الملك:
— هذا في ما يصلحه الصلح.
فإن كان الحق ظاهرًا؟
فسكت الرجل.
ففهم عبد الملك ما يريد.
خرج الرجل
ولم يولَّه.
وعجب بعض الناس.
فلما بلغ سعيدًا الأمر،
قال:
— أحسنت.
كثير من البلاد تُفسدها
الرجال الذين يمدحهم الناس في الحروب
ثم تضعهم فوق رقاب المظلومين.
وهكذا،
بدأت البوسنة تشهد تعيين رجال
ليسوا دائمًا الأشهر،
لكنهم الأهدأ،
والأقدر على حمل المعنى.
ومنذ ذلك الحين،
بدأ الناس في بعض النواحي يقولون:
— جاءنا رجل
لا يصرخ باسمه،
ولا يبتلعنا باسم المركز،
لكننا بدأنا نشعر أن العهد دخل.
وهذا
هو الولاية الصحيحة.