الفصل الأربعمئة والثمانون: لم يعد السؤال كيف ننتصر… بل كيف نبقى بعد النصر
بعد أن بدأت بوسنة العهد تكتب نفسها في القضاء،
وفي الديوان،
وفي النواحي،
وفي الأسواق،
وفي وجوه النساء والجرحى والأيتام،
لم يعد أخطر ما يواجه عبد الملك
هو خصمٌ ظاهر يحمل السلاح فقط،
بل سؤالٌ أشد عمقًا وأبعد أثرًا:
كيف يثبت الحكم في البوسنة كلها
من غير أن يتحول النصر إلى تعبٍ دائم
أو إلى سلطانٍ جديد يشبه من قبله؟
فإن البلاد قد تحتمل معركةً كبرى،
وقد تبتهج بواديٍ انكسرت فيه يد الحرب،
وقد تدخل نواحٍ في العهد واحدةً بعد واحدة،
لكنها لا تسلّم قلبها كله إلا إذا رأت أن الحكم الجديد
لا يعرف فقط كيف يكسر خصمه،
بل يعرف كيف يبقى.
جلس سعيد مع عبد الملك في ليلةٍ كانت أكثر هدوءًا من ليالي الحرب،
وأشد ثقلًا من كثير منها،
وقال له:
— يا بني،
كل ما مضى كان يمهد لساعةٍ لا ينتبه لها كثير من الرجال:
ساعة البقاء.
فالرجل قد ينتصر،
وقد يعبر،
وقد يحسن الخطاب،
وقد يكسب العلماء والأسواق والنساء،
لكن إذا جاء وقت تثبيت الحكم
أفسده من جهةٍ لا يشعر بها:
إما بقسوةٍ يظنها حزمًا،
وإما بتراخٍ يظنه رحمة،
وإما بإعطاء كل ذي صوتٍ أكثر مما يستحق خوفًا من اضطرابه.
ثم أضاف:
— تثبيت الحكم ليس أن تكثر راياتك،
بل أن تقلّ الحاجة إليها.
سكت عبد الملك طويلًا،
ثم قال:
— وكيف نصل إلى هذا؟
قال سعيد:
— بأربعة أمور،
إن ضبطتها
ثبت لك من البوسنة ما لا يثبته ألف مقاتل وحده:
المصالحة المنضبطة،
وتوزيع الولاة،
وحصر السلاح،
وتوحيد لغة العهد بين القلب والأطراف.
ثم أردف:
— الحرب أخذت منك خصومًا ظاهرين،
لكنها تركت لك جراحًا مكتومة،
ورجالًا مترددين،
وبيوتًا لا تعرف هل تسكت خوفًا أم تدخل صدقًا،
ونواحي تخشى أن يبتلعها المركز إن سلمت له.
فإن لم تدخل على هؤلاء بعقل التثبيت،
ظل الحكم في البوسنة كأنه نصرٌ طويل لا دولة.
وكانت هذه أول مرة
يشعر فيها عبد الملك
أن الحرب نفسها — على ما فيها من وجع وعظمة —
كانت أهون من المرحلة القادمة.
قال:
— إذن سنحتاج إلى أن نكون أدقّ بعد النصر
مما كنا في المعركة.
فقال سعيد:
— نعم.
ولهذا أقول لك:
إن تثبيت الحكم الكامل
ليس فصل السيف،
بل فصل الموازين.