الجزء التاسع والخمسون: حين بدأت بوسنةُ العهد تكتب نفسها

الفصل الأربعمئة والرابع والسبعون: الديوان… حين لا تضيع الأسماء

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الأربعمئة والرابع والسبعون: الديوان… حين لا تضيع الأسماء

كان من أكثر ما يوجع صفية
أن يضيع الناس في الدول القديمة
لا لأنهم بلا قيمة،
بل لأنهم بلا أسماء محفوظة.

الأرملة تبكي
ثم يقال: من بيت فلان.
واليتيم يكبر في الظل
ثم يقال: من أولاد من قتل في الطريق.
والجريح يحمل جسده
ثم ينساه الناس بعد موسم الحزن.

ولهذا،
حين بدأ الديوان يكتب نفسه،
أصرت هي أن يدخل فيه بابٌ لا ينساه الرجال غالبًا:
باب الأسماء.

قالت لعبد الملك:
— إذا أردت أن تحكم البلاد
فلا تحكمها بعدد الأسواق والطرق فقط.
احكمها كذلك بأسماء من نُزفوا،
ومن تُركوا،
ومن ينتظرون أن تذكرهم لا أن تذكر بطولاتهم وحدها.
ثم أضافت:
— ما دمتَ تعرف اسم الأرملة والجريح واليتيم
فإن البلاد لا تزال إنسانًا عندك.
وإذا صرت تعرف الرايات وتنسى الأسماء
بدأت تتحول إلى حاكمٍ من حديد.

دخل هذا المعنى إلى عبد الملك عميقًا.
فجعل للديوان بابًا يختص بالجرحى،
وبابًا للأرامل،
وبابًا للأيتام،
وبابًا للبيوت التي احترقت أو انقطعت في الحرب،
وبابًا للرجال الذين ثبتوا في النواحي ولم يُعرفوا على الساحات.

وكان الرجال البخاريون
يعجبون من هذا القدر من الإصرار على التفصيل.
لكن أحدهم قال يومًا:
— هذه المرأة
تعرف ما لا يعرفه كثير من بناة الدول.
فإن الدول تفسد
حين تتعلم أن تحصي الرجال في الجبهات
ولا تحصي ما وراءهم من بشر.

ومنذ ذلك الوقت،
صار في الديوان شيءٌ لم تعهده البلاد من قبل:
أن تُكتب الأسماء
لا لتُحصى فقط،
بل لتُحفظ حقوقها.

وكان الناس إذا سمعوا أن امرأةً
أو يتيمًا
أو جريحًا
وجد في الديوان اسمه وحقه،
يشعرون أن بوسنة العهد
لا تبني الحجر وحده،
بل تحفظ الأثر البشري للحرب والعدل معًا.