الفصل الأربعمئة والثالث والسبعون: القضاء… حيث يُختبر العهد حقًا
كان سعيد يقول منذ زمن:
— ما من موضعٍ تُعرف فيه الدولة كما تُعرف في القضاء.
فالناس قد يحبون الرجل،
وقد يمدحون الجيش،
وقد يشكرون السوق،
لكنهم إذا وقفوا في خصومةٍ
ورأوا أن القوي لا يزال يأكل الضعيف،
فإن كل ما قبلها يصغر في أعينهم.
ولهذا،
جعل عبد الملك أولى خطوات الكتابة العملية
في مجلس القضاء.
لم يرده مجلسًا فخمًا،
ولا مكانًا يخافه البسطاء،
بل أراده موضعًا واضحًا،
له هيبة نعم،
لكن لا تمنع الرجل الفقير والمرأة الضعيفة
أن يدخلا إليه.
وجلس مع محمد ورجل بخاري يعرف الإدارة،
وشيخين من أهل الفقه والعدالة،
وقال:
— لا أريد قضاءً يتزين بالعلم ويضيع في البطء،
ولا قضاءً سريعًا يظلم الناس بحجة الحسم.
أريد مجلسًا يعرف البلاد كلها
أن الظالم إذا أكل حقك
فلن تبقى تبحث عن واسطةٍ حتى تصلني.
بل لك باب معلوم.
ثم رتّبوا:
أن تُسجل الخصومات الكبيرة والصغيرة.
وأن لا يُترك مجلس القاضي بلا مراجعة.
وأن يُفرّق بين ما يُصلح فيه بالصلح
وما لا يصلحه إلا الحكم.
وأن يُمنع رجال النفوذ من الدخول على القاضي
كما كانوا يفعلون في الأزمنة الماضية
فيضيقون عليه من الداخل قبل أن يضيقوا على الناس من الخارج.
وجاءت أول قضية كبيرة بعد ذلك
وكأن القدر أراد أن يختبر المجلس من يومه.
رجل من أهل السوق الكبير
يخاصم رجلًا من ناحيةٍ صغيرة
في بضاعةٍ وطريقٍ ودين قديم.
وكان الناس يتوقعون النتيجة بسهولة:
أن السوق الكبير
ورجل المدينة
أقوى من رجل الناحية البعيد.
لكن المجلس مضى في القضية كما يجب.
سُمع الشاهدان.
وقُرئت الكتابة.
وسُئل أهل الطريق.
ثم ظهر أن الحق مع رجل الناحية
في موضعٍ كبير من النزاع.
وحين خرج الحكم،
وسمع الناس أن الرجل الصغير
أخذ بعض حقه من رجل كبير
من غير أن يحتاج إلى شفاعةٍ من عبد الملك،
قال شيخ من العامة:
— الآن فقط أفهم معنى العهد.
وقال آخر:
— يبدو أنهم لا يريدون أن يبقى الناس محتاجين إلى وجه الرجل كل مرة.
بل إلى حقهم.
وكان هذا أول نصرٍ حقيقي للكتابة الجديدة.
لأن البلاد رأت أن العهد
بدأ يخرج من هيبة عبد الملك
إلى هيبة النظام العادل.