الجزء التاسع والخمسون: حين بدأت بوسنةُ العهد تكتب نفسها

الفصل الأربعمئة والثاني والسبعون: مجلس الكتابة الأولى

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الأربعمئة والثاني والسبعون: مجلس الكتابة الأولى

دعا عبد الملك إلى مجلسٍ لم يكن مجلس حرب،
ولا مجلس سوق،
ولا مجلس نواحي،
بل مجلسًا يمكن أن يسمى للمرة الأولى:

مجلس كتابة البلاد.

اجتمع فيه:
سعيد،
ومحمد،
وعبد الله،
ورجلان من أهل بخارستان ممن خبروا الدواوين،
وشيخ من السوق الكبير،
وعالمان من النواحي،
ورجل من أهل الطرق يعرف كيف يفسد الحكم إذا جهل الأرض،
وممن وراء الجميع صوت صفية ونسائها في بعض ما يُنقل إليهم من حاجات البيوت.

بدأ سعيد الكلام،
لكن لا بوصفه صاحب الأمر،
بل بوصفه الرجل الذي يضع الأصول ثم يترك للجيل الذي يليه أن يحملها.

قال:
— لا أريد كتابًا طويلاً يعلّق على الجدران ولا تعيشه البلاد.
ولا أريد جملًا بليغةً تجعل الناس يبكون في المجلس
ثم يعودون إلى ظلمهم في السوق والبيت والطريق.
أريد أصولًا قليلة
تدخل في الديوان،
وفي القضاء،
وفي السوق،
وفي اللسان،
حتى يعرف الناس بعد عام
أن العهد كتب نفسه حقًا.

ثم قال لمحمد:
— ابدأ بالأصل الشرعي.
فقال محمد:
— الأصل الأول:
أن الحكم أمانةٌ لا امتياز.
وأن العهد لا يرفع أحدًا فوق المساءلة بالحق.
والأصل الثاني:
أن الدم لا يبيح الظلم،
والنصر لا يبيح البطر،
والقرب من عبد الملك لا يبيح أكل حقوق الناس.
والأصل الثالث:
أن البلاد تُجمع على العدل لا على عبادة الصورة.

وقال الرجل البخاري:
— وفي الديوان،
يجب أن يُكتب ما يوافق هذا بلغة الأرض:
لا جباية بلا معيار معلوم.
ولا طريق يملكها رجل ليرزق منها من شاء ويقطع منها من شاء.
ولا حق يضيع لأن صاحبه لا يعرف الكتابة أو لا يملك ظهرًا.
ولا سوق يختنق لأن رجلًا من رجال الحكم يريد أن يرضي تاجرًا كبيرًا.

وقال شيخ السوق:
— أريد أصلًا واضحًا:
أن السوق ليست ضرعًا للدولة،
بل شريانًا للبلاد.
فإذا جاعت السوق
جاع الناس،
وإذا أُهينت
أُهينت البيوت معها.

وقال عالم من النواحي:
— وأريد أصلًا آخر:
أن العالم المحلي لا يصير موظف خوف.
ولا كذلك متروكًا بلا سند.
فإن الإمام إذا تركتموه بين الناس والسلطة والدم
فسد أو ضعف.

وقال عبد الله:
— وأريد أصلًا في الأمن:
أن ليل البلاد لا يكون مرتعًا لرجال الظل الذين كانوا يعيشون بين فساد الخصوم ورخاوة الناس.
يجب أن يُعرف من يحرس،
ومن يسأل،
ومن يرفع،
ومن يُحاسب إذا خان.

وكان عبد الملك يسمع،
ويشعر أن البلاد للمرة الأولى
لا تُدار في رأسه كرجلٍ واحد،
بل تُبنى أمامه كجسدٍ يطلب عظامًا.

ثم قال أخيرًا:
— وأنا أريد أصلًا لا يغيب:
أن الناحية لا تدخل العهد لتصير هامشًا للقلب،
بل لتصير جزءًا منه.
فإذا شعرت ناحيةٌ بعدنا
أنها لا تُذكر إلا إذا اضطربت،
فقد خنّا البلاد.

هزّ سعيد رأسه،
وقال:
— هذه هي العبارة التي يجب أن تدخل كل ديوان.

وهكذا،
لم يخرج المجلس بكتابٍ نهائي،
لكنّه خرج بشيءٍ أهم:

بلغةٍ جديدة للحكم.