الفصل الأربعمئة والسادس والستون: الجرحى والأرامل… هل يبقى العهد وفيًا بعد الدم؟
إذا كان الناس يقيسون الدول في أوقات السلم
بما يصلهم من خبز وعدل وليل آمن،
فإنهم يقيسونها بعد الحرب
بشيءٍ أشد حساسية:
كيف تعامل جرحاها وأراملها وأيتامها.
وكانت صفية تعرف
أن هذه هي الساعة التي يثبت فيها صدق البيوت أكثر من صدق الساحات.
ما إن هدأ أوار الوادي قليلًا
حتى رتبت مع النساء والأطباء ومن يعرفون التداوي
مواضع لاستقبال الجرحى.
لا على صورة الحزن الثقيل وحده،
بل على صورة البلاد إذا أرادت أن تقول لرجالها:
“لم نرسل دمكم إلى الطريق ثم ننساه.”
وقالت لمريم:
— لا أريد للجرحى أن يشعروا أنهم صاروا ذكرى جميلة لساعة النصر.
أريدهم أن يشعروا أنهم ما زالوا داخل البلاد حيًّا وحقًا.
ثم قالت لخديجة:
— والأرامل…
أخاف أن يكثر الناس كلامهم عن بطولات الرجال
ويتركوا النساء يواجهن الليل وحدهن.
وأما عائشة،
فأوكلت إليها ما كانت تحسنه بطبيعتها:
الأطفال الذين فقدوا آباءهم،
أو الذين رأوا من الدم ما لم تكن أعينهم تتهيأ له.
وكانت صفية بنفسها تمر على البيوت.
في بيتٍ،
دخلت على امرأة مات زوجها في الطريق،
فوجدتها جامدة أكثر من كونها باكية.
فجلست عندها،
ولم تقل لها كلام العزاء الذي يقال ثم ينصرف.
بل قالت:
— زوجكِ لم يذهب في خبر.
ذهب في بابٍ ستُحفظ به بيوتٌ كثيرة.
لكن هذا لا يعفي البلاد من حقكِ عليه.
ثم أضافت:
— من اليوم،
أنتِ في ذمتنا لا في الشفقة عليك فقط.
وفي بيتٍ آخر،
رأت رجلًا جريحًا يحاول أن يعتذر عن عجزه المؤقت كأنه صار عبئًا.
فقالت له:
— لا تتكلم كأنك خرجت من البلاد حين انكسرت يدك أو ضعف جسدك.
بل أنت اليوم داخلها أكثر من كثير من الصحيحين.
ثم أضافت:
— وسنعلم الناس جميعًا أن الجرحى ليسوا هامش النصر،
بل من قلبه.
ووصل هذا المعنى إلى عبد الملك،
فقال:
— ما تصنعينه يا أمّي
أشد على البلاد من بعض ما نصنعه نحن في المجالس.
فقالت:
— لأن البلاد إن خانت من نُزف لأجلها
فسدت في نفسها قبل أن يفسدها خصومها.
ومنذ ذلك الحين،
دخل في الديوان بابٌ جديد:
باب الجرحى،
وباب الأرامل،
وباب الأيتام.
كتبت الأسماء،
وضبطت الحقوق،
وصار الناس يرون بأعينهم
أن بوسنة العهد
لا تأخذ دم أبناءها ثم تتركه في القصص.
وهذا
كان من أعظم ما ثبت به النصر في القلوب.