الجزء الثامن والخمسون: امتحانُ النصر

الفصل الأربعمئة والخامس والستون: الغنيمة التي لم يردها عبد الملك

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الأربعمئة والخامس والستون: الغنيمة التي لم يردها عبد الملك

أول ما ظهر أثر امتحان النصر
لم يكن في مجلسٍ كبير،
ولا في قرارٍ عظيم،
بل في شيءٍ صغير إذا أُهمل
أفسد كثيرًا من الروح:

الغنيمة.

فبعد انكسار يد الحرب في الوادي،
ترك الخصم وراءه ما يتركه المنهزم عادة:
دواب،
وسلاحًا،
ومؤنًا،
وربما بعض المال،
وبعض ما كان الناس في أطراف الحرب يعدونه حقًا طبيعيًا لمن ثبت وقاتل.

وجاء بعض الرجال إلى عبد الملك
وفي نفوسهم حرارة اليوم السابق،
وقالوا:
— هذا حق الرجال.
وقال آخرون:
— ومن لم يعطَ اليوم
وهو الذي ثبت بالأمس
فكيف يُربط قلبه غدًا؟

وكانت المسألة حساسة.
فلو ردّها كلها ردًّا صارمًا باردًا
ربما جرح قلوبًا ثبتت بصدق.
ولو أطلقها إطلاقًا واسعًا
ربما فتح بابًا لا يُغلق بسهولة.

دخل على سعيد،
وقال:
— أخاف أن أظلم إن منعت،
وأخاف أن أفسد إن تركت.
تبسم سعيد،
وقال:
— هذه هي ساعات الحكم الحقيقية.
ليس حين يكون الحق ظاهرًا كالشمس،
بل حين يختلط فيه حق الناس
بحق البلاد،
وحق اللحظة
بحق المستقبل.

ثم قال:
— اذكر لهم أمرين.
الأول:
أن ما أُخذ من يد الخصم اليوم
ليس مال حربٍ مجرد،
بل جزء من قدرة البلاد على أن لا تدخل الجوع بعد الدم.
والثاني:
أن الرجال الذين ثبتوا
لن تُكافئهم البلاد بفتح باب الطمع،
بل بفتح باب الكرامة والحق المعلوم.
ثم أضاف:
— وزّع بميزان،
لكن لا تجعل النصر سوقًا.
فإن أول فساد الدولة أن يتحول أول نصرٍ فيها
إلى باب توزيع شهواني لما تركه العدو.

خرج عبد الملك،
وجمع الرجال في مجلسٍ صغير لا ساحةٍ عامة،
وقال:

— ما تركه الخصم اليوم
ليس لكم وحدكم،
ولا لي،
ولا لبيتٍ دون بيت.
إنما هو جزء مما ستقوم به البلاد في أيامٍ قد تكون أشد من يوم الوادي.
ثم أضاف:
— نعم،
لن ننسى من ثبت،
ولا من سال دمه،
ولا من فقد ولدًا أو أخًا أو شريكًا.
لكننا لن نبني عهدنا على أن أول ما بعد النصر
هو أن يمد كل رجلٍ يده إلى ما يصل إليه.

ثم أمر بكتابة كل ما أُخذ،
وتوثيقه،
وتوزيعه في أبواب معلومة:
بعضه لحفظ الطريق.
وبعضه لسدّ حاجات النواحي التي ضربت.
وبعضه لجرحى الرجال وأهل من قتل منهم.
وبعضه يدخل في الديوان.

وكان في الرجال من ضاق بهذا أولًا.
لكنهم رأوا بعد أيام
أن البلاد لم تنسهم،
بل أعطتهم على وجهٍ أكرم
من أن يتفرق الحق في أيدي الأفراد بلا نظام.

قال شيخ من أهل الناحية الرابعة:
— كنا نحسب أن الغنيمة هي ما يرفع الرجال.
فإذا بهذا الرجل
يرفعنا بأن يمنعنا من أن نفسد بها.
وكانت هذه شهادةً كبيرة،
لأنها تعني أن عبد الملك
نجا من أول فتنة نصر.