الجزء السابع والخمسون: حين بدأ العهد يأخذ الحرب من يد خصومه

الفصل الأربعمئة والستون: محمد يضع حدَّ الدم

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الأربعمئة والستون: محمد يضع حدَّ الدم

في كل حربٍ عادلة
هناك لحظة خفية
إذا لم تُضبط،
فسدت العدالة من داخلها:

لحظة الغضب الشخصي.

حين يرى الرجل دمه،
أو بيت جاره المحترق،
أو القافلة المنهوبة،
أو قتيلًا من أهله،
فيبدأ العدل في صدره يضيق
حتى يريد أن يعوّضه الدم كله.

كان محمد يعرف أن هذه اللحظة
هي أخطر ما يمكن أن يهدد بوسنة العهد.

ولهذا،
جمع العلماء والخطباء والأئمة،
وقال لهم:

— من اليوم،
لا يكفي أن نقول للناس:
دافعوا.
بل يجب أن نقول كذلك:
لا تتحولوا إلى ما تقاتلون عليه.
ثم أضاف:
— نعم،
الحرب وقعت،
والدم صار له موضع.
لكن لا يُقتل من لا يقاتل،
ولا يُحرق زرعٌ للانتقام،
ولا تُهان امرأةٌ لأن رجالها في الجهة الأخرى،
ولا يُنهب سوقٌ بحجة أنه كان في ناحية الخصوم.
فإن فعلنا هذا،
فقد صرنا نكسر بلادنا بأيدينا.

قال شيخ من العلماء:
— وبعض الشباب لن يحتملوا هذا.
سيقولون:
كيف نُضبط والدم فينا؟
فأجابه محمد:
— قل لهم:
هذا هو الفرق كله.
لو كانت القضية قضية دمٍ فقط
لما احتاجت البلاد إلى عهدٍ ولا علماء.
لكنها قضية حق يريد أن يقيم ميزانه وهو ينزف.

ثم صاغوا خطابًا واضحًا:
أن الحرب دفاعٌ،
لكنها ليست رخصةً للفوضى.
وأن العدو إذا أراد أن يُسقط العهد في الطين
فلن نعينه على ذلك.
وأن من ظلم في الحرب
حوسب كما يُحاسب الظالم في السلم.

وكان لهذا أثر عجيب.

فبعض الرجال
الذين كانوا يدخلون إلى الطريق والنار وفي صدورهم غليان،
بدأوا يشعرون أن العهد لا يثق فقط بيدهم،
بل يثق بأنهم قادرون على حمل السيف
دون أن يسقطوا من أنفسهم.

وهذا من أعظم ما صنعته بوسنة العهد
في تلك المرحلة:
أنها لم تكتفِ أن تعلم الناس كيف يقاتلون،
بل علمتهم كيف يبقون صالحين داخل الحرب.