الفصل الأربعمئة والتاسع والخمسون: صفية تبني ظهر الحرب
إذا كان الرجال قد جلسوا لمجلس الحرب،
فإن صفية كانت قد فهمت قبل أن يقولوا لها
أن ما سيأتي لن يكون غارةً أو يومًا أو يومين،
بل مرحلة تحتاج إلى ظهر.
والظهر في الحروب العادلة
ليس السلاح وحده،
بل البيوت التي لا تتفكك،
والنساء اللواتي لا يتركن الجرحى والمعذبين والمنتظرين فريسة لليل،
والمطابخ،
والدواء،
والستر،
والكلمة التي تُقال في وقتها.
ولهذا،
جمعت النساء الثقات،
وقالت:
— من اليوم،
نحن لا نواسي فقط.
نحن نبني ظهر العهد.
أريد أماكن معروفة للجرحى،
ونساء يعرفن كيف يخدمن بلا فوضى،
وبيوتًا يُعدّ فيها الخبز لمن يخرجون ثم يعودون،
وبيوتًا أخرى تحفظ الأرامل إن اتسعت الحرب،
وأيدٍ تتولى الأطفال ساعة يغيب آباؤهم في الطريق.
ثم نظرت إلى مريم وقالت:
— وأنتِ،
أريدك أن تضبطي النساء بين الحماسة والخوف.
لا أريد بكاءً يفسد العزم،
ولا صلابةً مصطنعة تجرح القلوب.
ثم نظرت إلى خديجة:
— والجرحى…
لا أريد لهم أن يشعروا أنهم صاروا عبئًا.
إذا عاد الرجل مكسور الجسد
فليجد عندنا ما يعيد له معنى كرامته.
ثم نظرت إلى عائشة:
— والأطفال…
إن لم نحفظهم من لغة الرعب
دخلت الحرب في عظامهم قبل أن يفهموها.
وكانت هذه الخطة،
في ظاهرها نسائية منزلية،
لكنها في حقيقتها من أعمق صور السيطرة على البلاد.
فالدولة إذا لم تستطع أن تصنع ظهرًا أخلاقيًا ونفسيًا لحربها،
خسرت من الداخل وإن ثبت رجالها في الخارج.
وفي أيامٍ قليلة،
تحولت بيوتٌ بعينها إلى محطات عونٍ منضبط.
ليس فيها عبث ولا فوضى ولا استعراض.
بل كل امرأة تعرف بابها.
هذه للخبز،
وتلك للدواء،
وثالثة لاستقبال زوجات الجرحى،
ورابعة لحفظ الأطفال ساعة يختلط النهار بالليل.
وذات مساء،
وقفت صفية عند باب بيتٍ صار مأوى لعدد من العائدين من الجبهة الأولى،
ورأت رجلًا جريحًا يشرب الماء من يد امرأة عجوز لا يعرفها،
ورأت طفلةً تنام عند جدار بعد بكاء طويل،
ورأت أمًّا تتمتم بالدعاء وهي تهيئ الطعام،
فقالت في نفسها:
— الآن…
صار للعهد ظهر.
وكان هذا في ميزانها
أعظم من أن تسمع عشرة رجال يهتفون في ساحة.