الجزء السادس والخمسون: الصدامُ المفتوح

الفصل الأربعمئة والثاني والخمسون: التعبئة التي لم تُفسد الوجوه

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الأربعمئة والثاني والخمسون: التعبئة التي لم تُفسد الوجوه

لم يكن أخطر ما في الصدام المفتوح
أن الرجال سيحملون السلاح،
بل أن البلاد كلها يجب أن تتحول في أيام قليلة
من إيقاع البناء إلى إيقاع التعبئة
من غير أن تفقد روحها.

وهذا ما فهمه سعيد بعمق.

قال لعبد الملك:
— لا أريد تعبئةً تفسد السوق،
ولا تعبئةً تجعل النساء يظنن أن أولادهن صاروا وقودًا،
ولا تعبئةً تجعل العلماء يهربون من البيان لأن السلاح سبقهم.
أريدها تعبئةً
تبقي البلاد بلادًا
حتى وهي تدخل الحرب.

فبدأت الحركة.

في المدينة،
لم تُغلق الأسواق كلها،
لكنها دخلت نظامًا جديدًا:
المؤن تُحسب،
القوافل تُوزع،
الخبز يُضبط،
والتجار يُفهّمون أن هذه ليست ساعة ربحٍ زائد،
بل ساعة حفظ البلاد.
وقال شيخ السوق في مجلسٍ قصير:
— من احتكر اليوم
فقد خان الدم قبل أن يسيل.

وفي الجامع،
وقف العلماء على لسانٍ جديد لم يعتاده الناس منهم من قبل.
لا هو لسان السلم القديم،
ولا لسان حماسةٍ عمياء،
بل لسانٌ يقول بوضوح:
— نعم،
دفع العدوُّ البلاد إلى الحرب.
ونعم،
الدفاع عنها اليوم ليس فتنةً،
بل من صيانة الحق إذا لم يبقَ إلا هو والسيف.
لكن كذلك:
الدم لا يُطلق بلا ميزان،
ولا يتحول الغضب إلى رخصةٍ للظلم.
ومن دخل الحرب فليدخلها وهو يعلم
أنه يحرس العهد
لا أنه ينتقم لنفسه فقط.

وفي بيوت النساء،
كانت صفية أشد حركةً من كثير من الرجال.

جمعت النساء الثقات،
وقالت:
— من اليوم،
لا أريد بيتًا يودّع أبناءه إلى الطريق
وكأنهم خارجون إلى موتٍ لا معنى له.
ولا أريد بيتًا يخفي عنهم أن الساعة خطيرة.
قولي للنساء:
نعم، الحرب وقعت.
لكن أولادكم ليسوا حطبًا،
بل حماة بيوتكم إذا صدقوا.
ثم أضافت:
— ومن بكت فلتبكِ،
لكن لا تفسد البكاء بالقول الذي يفتُّ القلب:
“ذهبوا وضاعوا.”
قولوا:
“ذهبوا والله معهم.”
فإن هذه الجملة
في بعض الليالي
تساوي سلاحًا.

وكانت صفية تمر على البيوت في المدينة،
وترسل من يطوف على النواحي،
تخفف من الهلع،
وتمنع من أن تتحول الحرب إلى لغة خراب قبل أن تبدأ.

أما عبد الله،
فدخل طورًا آخر من عمله.
لم تعد الشبكة تحفظ الضربات الصغيرة فقط،
بل صارت تنسج ظهر الحرب:
من يحمل الأخبار،
من يعرف طرق الالتفاف،
من يحفظ القرى الصغيرة من أن تستيقظ على الفراغ،
من يربط النواحي إذا انقطع واحد منها يومًا أو يومين.
وكان الجرح القديم فيه
قد علمه أن لا يبني كل شيء على رجلٍ واحد،
ولهذا وزّع،
وعلّم،
وربط،
حتى صار كل طرفٍ يعرف ما عليه دون أن ينتظر وجه عبدالله في كل ساعة.

وأما محمد،
فكان يتنقل بين مجلس العلماء والناس،
يمنع الحرب من أن تأكل الضمير،
ويمنع الضمير من أن يعجز عن حمل الحرب.

وهكذا،
لم تدخل بوسنة العهد الصدام المفتوح
على صورة بلدٍ ذُعر،
بل على صورة بلدٍ انتقل إلى حالٍ جديدة وهو يحاول أن يحفظ نفسه فيها.