الجزء السادس والخمسون: الصدامُ المفتوح

الفصل الأربعمئة والحادي والخمسون: حين سقط الرمادي

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الأربعمئة والحادي والخمسون: حين سقط الرمادي

لم يأتِ الصدام المفتوح كما تأتي الأخبار الصغيرة،
ولا كما تأتي الشائعات التي يمكن ردُّها ببيانٍ حسن أو بكلمة عالمٍ موزونة،
ولا كما تأتي الضربات الجزئية التي تُوجِع ثم تترك للبلاد وقتًا لتفكر وتعيد ترتيب نفسها.

بل جاء على الصورة التي كان سعيد يخشاها منذ قال:
“إذا فهم الخصم أنه تأخر،
فلن يعود يحبُّ الرمادي.”

وفي صباحٍ باردٍ من صباحات البوسنة،
وصل إلى قلب البلاد خبرٌ واحد في ظاهره،
لكنه كان يحمل وراءه أبوابًا من النار:

الخصوم جمعوا رجالهم في ثلاث نواحٍ،
وأغلقوا طريقين كبيرين،
ورفعوا صوتًا يقول إنهم لن يتركوا البلاد تسقط من أيديهم ناحيةً بعد ناحية.

لم يعد الأمر إذن خصومة طرق،
ولا ضرب قافلة،
ولا إشاعةً تُجرح بها النوايا.
لقد قال الخصم للبلاد على لسان فعله:
“إما نحن وإما هم.”

وكان هذا هو السقوط الكامل للمنطقة الرمادية.

وصل الخبر إلى البيت،
فلم ينهض فيه أحد على هيئة المذعور،
لكن ثِقلًا جديدًا نزل على الجدران والوجوه.

دخل عبد الله أولًا،
وقال لسعيد:
— جمعوها.
رفع سعيد رأسه:
— في كم ناحية؟
— ثلاث متصلة إن أحكموا ربطها
فتحول بيننا وبين جزء من البلاد.
ودخل محمد بعده بلحظات:
— والعلماء بدأت تصلهم أسئلة الناس لا عن الحكم والبيان،
بل عن الحرب نفسها.
ودخل عبد الملك،
وكان في وجهه شيءٌ لم يكن فيه من قبل:
ليس غضب الرجل الذي أُهين،
بل يقظة الرجل الذي يعرف أن بلاده دخلت طورًا لا يكفي معه أن يكون عادلًا وحكيمًا،
بل يجب أن يكون حاملًا للحرب على صورةٍ لا تفسد العهد.

جلسوا.

ولأول مرة منذ زمن،
لم يبدأ سعيد بالكلام سريعًا.
ترك الصمت لحظاتٍ حتى يستقر المعنى في الصدور.
ثم قال:

— انتهى الزمن الذي كنا نمنع فيه البلاد من أن تنزلق إلى الحرب.
أما الآن،
فالخصم هو الذي فتح بابها.
لكن هذا لا يعني أننا سندخلها كما يدخلها من لا يملك إلا الدم.
نحن سندخلها على أنها امتحان العهد.
إن فسد فيها عدلنا،
خسرنا ولو انتصرنا.
وإن ثبت فيها عدلنا،
ربحنا ولو دفعنا ثمنًا موجعًا.

ثم نظر إلى عبد الملك،
وقال:
— من اليوم،
لن يسألك الناس فقط عن الخبز والسوق والطريق،
بل عن الدم أيضًا.
كيف يسفك،
ولماذا،
وأين يقف،
ومتى ينتهي.
فإن لم تضبط هذا،
تحولت بوسنة العهد إلى خصمٍ جديد يشبه من قام الناس عليه.

كان الكلام أثقل من أن يرد عليه بسرعة.
لكن عبد الملك قال بعد صمت:
— إذن سندخل الحرب…
لكن لا كطلاب حرب.
بل كحُماة بلادٍ فُرضت عليها.
أومأ سعيد، وقال:
— نعم.
وهذه أول كلمة يجب أن يسمعها الناس منك.

وفي تلك الساعة نفسها،
فهمت البلاد أن زمن التثبيت الهادئ قد انكسر،
وأن العهد صار مطالبًا لا بأن يبني فقط،
بل بأن يحمي ما بناه.