الجزء الخامس والخمسون: حين بدأت بوسنة العهد تمسك البلاد

الفصل الأربعمئة والتاسع والأربعون: أول ملامح البلاد تحت يد العهد

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الأربعمئة والتاسع والأربعون: أول ملامح البلاد تحت يد العهد

بعد شهور أو زمنٍ يكفي لتتكون الصورة،
صار من الممكن لمن ينظر بعينٍ بعيدة
أن يرى الفرق بين ما كانت عليه البوسنة
وما بدأت تصير عليه.

الطرق الكبرى لم تعد متروكة للصدفة كما كانت.
الأسواق الصغيرة صار لها ظهر.
النواحي لم تعد تخاف أن تدخل ثم تُنسى بالسهولة نفسها.
العلماء صار لهم لسانٌ موزون في أكثر من موضع.
النساء دخلن في المعنى لا في الحاشية.
الديوان بدأ يُكتب.
الأصل البخاري دخل في البناء.
صوت الحرم صار يزيد المعنى وقارًا.
وباب فاطمة صار يربط بين البيت والمقام الرفيع
من غير أن يفسد التواضع.

وفي إحدى الجولات،
وقف عبد الملك على مرتفعٍ يطل على ناحيةٍ دخلت حديثًا،
ومرّ بصره على الطريق،
وعلى السوق،
وعلى المسجد،
وعلى البيوت،
وشعر لأول مرة لا بالافتخار،
بل بالرهبة من أن هذه المواضع كلها
بدأت فعلًا تدخل تحت يد العهد.

قال لأبيه:
— الآن أفهم معنى السيطرة الذي كنت تخشاه عليّ.
نظر إليه سعيد، وقال:
— وكيف؟
قال:
— كنت أظنها قبلًا أن يكون الرجل مطاعًا في البلاد.
أما الآن،
فأراها أن تكون البلاد أقل خوفًا لأنك موجود.
ثم أضاف:
— وهذا أثقل كثيرًا.
تبسم سعيد،
وكان في تبسمه حزن الحكمة وفرحها معًا، وقال:
— هذه أول مرة أطمئن أنك لم تفسد ببابها.

وسكت قليلًا،
ثم قال:
— لكن تذكر…
ما دمنا في طور السيطرة على البلاد،
فنحن أيضًا في طورٍ يجعل الضربة التالية
أخطر من كل ما قبلها.
لأن الخصم إذا رأى البلاد تتجمع تحت اليد حقًا،
فإما أن ييأس،
وإما أن يجمع كل ما بقي له
في ضربة لا يريد منها التشويش،
بل الكسر الصريح.