الجزء الخامس والخمسون: حين بدأت بوسنة العهد تمسك البلاد

الفصل الأربعمئة والثالث والأربعون: عقد البلاد الخمس

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الأربعمئة والثالث والأربعون: عقد البلاد الخمس

لم يبدأ عبد الملك بتوزيع الرجال على الخرائط عشوائيًا،
ولا بإرسال السرايا إلى كل موضع مضطرب،
بل فعل ما تعلّمه طويلًا من أبيه ومن الجراح ومن المدينة:

بحث أولًا عن عقد البلاد.

قال في مجلسه:
— ليست البلاد أرضًا متساوية.
فيها مواضع إذا أُمسكت
تبعتها غيرها،
وفيها مواضع إذا استعجلناها
ابتلعت ما بذلناه فيها.

ثم رسموا،
أو وصفوا،
أو رتبوا في عقولهم،
خمس عقد كبرى:

العقدة الأولى: الطريق.
فالبلاد التي لا يُؤمن طريقها
لا تُحكم،
ولو أحبت الحاكم.
الطريق هو الدم بين القلب والأطراف.

العقدة الثانية: السوق.
لا السوق الكبير وحده،
بل سلسلة الأسواق الصغيرة التي إذا انتظمت
هدأت البطون،
وخفَّ منسوب الذعر،
وصار الناس يربطون العهد بالحياة لا بالشعار.

العقدة الثالثة: العالم المحلي.
ففي كل ناحية رجلٌ أو اثنان
إذا اطمأنوا
أطمأن المسجد والبيت واللسان.
وإذا ارتبكوا
تسرّب الاضطراب إلى القلوب أسرع من تسربه من السلاح.

العقدة الرابعة: الوجه الأهلي.
شيخ السوق،
أو كبير الحي،
أو صاحب الماء،
أو الرجل الذي تُحلّ عنده خصومات الناس.
هذا الرجل،
إذا دُخل من بابه الصحيح،
أمكن أن يحمل معه نصف الناحية.

العقدة الخامسة: النساء.
وكان سعيد يصر على هذه العقدة دائمًا،
حتى قال لعبد الملك:
— إن نساء البلاد
ليسن زينة حكم.
هن شرط بقائه.
إذا دخلن في العهد
ثبتت البيوت،
وإذا بقين خارجه
ظل كل نجاح في الساحة ناقصًا.

ثم قال:
— من يمسك هذه الخمس
يمسك البلاد من مفاصلها،
لا من جلدها فقط.

ومنذ ذلك اليوم،
لم تعد حركة العهد في البوسنة
مجرد استجابةٍ لحدث،
بل صارت خطةً عميقة:
الطريق أولًا،
ثم السوق،
ثم العالم،
ثم الوجه الأهلي،
ثم النساء.
وكل ناحية تُقرأ على هذا الميزان.

وكانت هذه أول مرة يشعر فيها بعض الرجال
أن عبد الملك لم يعد فقط قائد مرحلة،
بل بدأ يصير مهندس البلاد.