الجزء الخامس والخمسون: حين بدأت بوسنة العهد تمسك البلاد

الفصل الأربعمئة والثاني والأربعون: من ردِّ الضربة إلى أخذ المبادرة

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الأربعمئة والثاني والأربعون: من ردِّ الضربة إلى أخذ المبادرة

بعد الضربة الكبرى الأولى،
لم يعد يكفي لعبد الملك أن يثبت للبلاد أن العهد لا ينهار إذا نُزف،
بل صار لزامًا عليه أن ينقلها إلى مقامٍ آخر:

مقام الإمساك.

فالدولة التي تكتفي بردّ الضربات
تظلّ، مهما حسُن بناؤها،
دولةً تُقاد بعض الشيء بإيقاع خصومها.
أما الدولة التي تبدأ تمسك المواضع،
وتعيد ترتيب البلاد وفق منطقها هي،
فإنها تخرج من حال الدفاع الشريف
إلى حال السيطرة العادلة.

وكان سعيد يعرف أن هذه النقلة
هي أخطر ما بعد الإعلان والدم جميعًا.
لأن كثيرًا من الرجال يبرعون في الصبر والثبات واحتمال الأذى،
لكنهم إذا جاء وقت الإمساك
أفسدوا بالاستعجال،
أو بالانتقام،
أو بحب الصورة الواسعة.

جلس مع عبد الملك وعبد الله ومحمد،
وقال:

— إلى اليوم،
كنا نسأل في كل ضربة:
كيف نمنع الانهيار؟
أما من الآن،
فالسؤال يجب أن يتبدل:
كيف نجعل الخصم يفيق كل صباح
فيجد أن البلاد خرجت من يده موضعًا جديدًا؟
ثم أضاف:
— لا أعني بالخروج رايةً ترفع فقط،
بل إدارةً،
وطريقًا،
ومجلسًا،
وسوقًا،
وليلًا،
وعالمًا،
وامرأةً في بيتها تقول:
لقد صار لنا باب معلوم.

رفع عبد الملك رأسه،
وكان في وجهه شيء من الرهبة الجميلة، وقال:
— إذن بدأ وقت السيطرة؟
أجابه سعيد:
— نعم.
لكن تذكر:
نحن لا نسيطر كما يسيطر أهل القهر.
نحن نمسك البلاد حتى نمنعها أن تتآكل.
فإن دخلت هذا الباب بعين الغلبة وحدها،
فسدت.
وإن دخلته بعين الأمانة،
قام لك ما لا يقوم بالسيف وحده.

وقال عبد الله:
— السيطرة تبدأ من العقد،
لا من الساحات.
إذا ملكنا العقد،
تبعتنا الساحات.
وقال محمد:
— والعقد ليست أمنًا فقط.
العقد أيضًا:
العلماء،
والأوقاف،
والخبز،
والقضاء،
وحق الناس أن يعرفوا أين يذهبون.

فهزّ سعيد رأسه،
وقال:
— نعم.
ومن اليوم،
لا أريد لرجالنا أن يتكلموا عن التوسع كما يتكلم الفاتحون الساذجون،
بل كما يتكلم البناؤون.
كل موضعٍ نأخذه
يجب أن نعرف كيف يبقى معنا بعد أسبوع،
وبعد شهر،
وبعد عام.

وهكذا،
بدأت بوسنة العهد تخرج من طور “الثبات تحت الضرب”
إلى طور أخذ البلاد من يد الفوضى بابًا بابًا.