الفصل الأربعمئة والثامن والعشرون: السلاح الذي لا يجرح الرجل… بل يجرح البناء
لم يكن خصوم بوسنة العهد أغبياء إلى الحد الذي يجعلهم يظنون أن ضربةً واحدة إلى عبد الملك أو إلى وجهٍ من وجوهه
تكفي الآن لإرجاع البلاد إلى ما كانت عليه.
لقد فات هذا الوقت.
فالرجل لم يعد وحده في الصورة،
والمدينة لم تعد وحدها في الاختيار،
والنواحي بدأت تتعلم كيف تدخل العهد من أبوابه،
والعلماء لم يعودوا يرتجفون كما كانوا،
والنساء لم يعدن ينظرن إلى ما يجري على أنه شأن الرجال وحدهم،
وبخارستان صارت سندًا،
والحرم اقترب،
والبيت السعودي دخل من بابه.
ولهذا،
فإن الخصم حين أراد أن يوقف بوسنة العهد
لم يوجّه عينه أولًا إلى الرأس،
ولا إلى القلب وحده،
بل إلى شيء آخر أدق وأوجع:
إلى البناء نفسه.
إلى الطريق بين القلب والنواحي.
إلى الثقة بين السوق الصغير والسوق الكبير.
إلى انتظام الخبز حين يخرج من المدينة إلى غيرها.
إلى العلاقة بين العالم في الناحية والعالم في المركز.
إلى إحساس القرى الجديدة الداخلة في العهد
أنها لن تُترك إذا اشتدت الضربة.
قال أحدهم في مجلسهم:
— لا نكسب الآن إذا قتلنا رجلًا فقط.
نكسب إذا جعلنا البلاد تقول:
لقد كان جميلًا في بدايته،
لكنهم لا يستطيعون حمل الاتساع.
وقال آخر:
— وكيف نصنع هذا؟
قال:
— بأن نقطع بين الأعضاء والدم،
حتى يبقى القلب قلبًا نعم،
لكن من غير يدٍ تصل إلى الأطراف.
وهكذا بدأوا بضربٍ مركب:
أمرٌ بإغلاق طريقٍ رئيسي يربط المدينة بناحيتين دخلتا العهد أو قاربتا دخوله.
وإثارةُ خصومةٍ قديمة بين سوقين صغيرين على حصة قافلة وممرّ ماء.
واستدعاءُ رجل من وجهاء الناحية الثالثة إلى مجلس تهديدٍ خفي،
ليُقال له:
“أنتم الآن في الواجهة،
وإذا عجز عبد الملك أن يحميكم من أول ضربةٍ على الطريق،
فهل تظنون أنكم أحسنتم الاختيار؟”
وفي الوقت نفسه،
أُرسلت إشاعات محسوبة إلى بعض أهل الأطراف:
— المدينة الآن مشغولة بأبوابها الكبيرة.
— الحرم، وبخارستان، والبيت السعودي، والوفود، والمجالس…
فهل تظنون أن لهم وقتًا لكم إذا انقطعت عنكم القوافل ثلاثة أيام؟
كانت الضربة من هذا النوع الذي لا تلتقطه القلوب غير المجرّبة سريعًا.
لكن سعيدًا التقط معناها من أوّل خيط.
قال لعبد الله:
— هذه ليست أزمة طريق.
قال عبدالله:
— نعم.
إنهم يقولون للبلاد:
العهد يحسن أن يُعلن…
لكن هل يحسن أن يوصل؟
وقال سعيد:
— وإذا نجحوا في هذا السؤال،
فلن يضرهم بعده أن تكون المدينة معنا والجامع معنا وبعض النواحي معنا.
لأن البلاد ستبدأ تفرق بين “قلبٍ يحبونه” و”بناءٍ يثقون به”.
ثم التفت إلى عبد الملك وقال:
— وهذه أول ضربة حقيقية على بوسنة العهد نفسها،
لا على صورتها.
كان الكلام ثقيلًا،
لأن الجميع فهموا أن الخصم لم يعد ينازعهم في المشروعية وحدها،
بل في القدرة.