الجزء الثاني والخمسون: بوسنةُ العهد

الفصل الأربعمئة والسادس والعشرون: أول ارتجافٍ في الخصم بعد العبور

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الأربعمئة والسادس والعشرون: أول ارتجافٍ في الخصم بعد العبور

لم يمض وقتٌ طويل حتى بدأت علامات الارتجاف تظهر في خصومهم أكثر وضوحًا.

كانوا قد جربوا:
الضغط،
والكمين،
والشائعة،
واللعب على الخيوط،
وتأويل الأبواب،
والمراهنة على تعب الزمن.
لكن بوسنة العهد لم تتراجع،
بل دخلت طورًا من النظام والهدوء والاتساع جعل الناس من حولها يزدادون طمأنينة إليها لا رهبةً منها.

وهذا أخافهم.

لأن السلطة المستقرة على خوف الناس
تقدر على كثير من الردّ.
أما إذا وجدت خصمها يزداد معقوليةً واتساعًا وهدوءًا،
فإنها ترتجف.
لأنها تفقد الذريعة التي تقول بها للناس:
احذروا،
إنهم الفوضى.
فإذا لم يعودوا فوضى،
ماذا يبقى في أيديها؟

وصلت بعض أخبار هذا الارتجاف إلى عبدالله.
كان ما يزال يطالع الرجال والطرق والأسماء كما كان،
لكن بعينٍ أعمق بعد الجرح.
فقال لعبد الملك:
— أشعر أنهم دخلوا مرحلة لا يحسنونها:
مرحلة الخوف من عدوٍ لم يعودوا يستطيعون وصفه كما يريدون.
فقال عبد الملك:
— وهل هذا خير؟
قال عبدالله:
— نعم…
وخطير.
— كيف؟
— لأن العدو إذا عجز عن تفسيرك للناس،
ربما لجأ إلى ما هو أغبى وأشد:
ضربة كبيرة.
ثم أضاف:
— والضربة الكبيرة إذا جاءت من خصمٍ مرتبك
قد تكون أكثر وحشيةً لأنها أقل عقلًا.

ذهب عبد الملك إلى أبيه بهذا المعنى،
فقال سعيد:
— وهذا ما كنت أنتظره.
كل مرحلةٍ إذا ثبتنا فيها
تفتح مرحلتين:
مرحلة بناء،
ومرحلة ردّ أعنف.
ثم نظر إليه بجدية أشد، وقال:
— من اليوم،
لا تدع اتساع العهد يلهيك عن توقع الضربة القادمة.
البلاد الآن دخلت طور الإعلان والإدارة.
وهذا هو الوقت الذي يحب فيه الخصم أن يراهن على أنه
إن لم يعد يملك الناس،
فربما يملك دمهم وخوفهم.

وساد الصمت.

كان الجميع يعرف أن هذه الجملة تعني
أن الجزء التالي من الحكاية لن يكون سهلًا،
حتى لو بدا في ظاهره زمن ترتيبٍ ونجاح.