الجزء الحادي والخمسون: العبور

الفصل الأربعمئة والخامس عشر: العلماء يهيئون الجملة التي ستبقى

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الأربعمئة والخامس عشر: العلماء يهيئون الجملة التي ستبقى

اجتمع محمد بعبدالرؤوف،
وبعدد من العلماء الذين ثبتوا مع المشروع،
وبعض من أهل الفقه والعقل من بخارستان ممن دخلوا من باب البناء،
وكان موضوع المجلس دقيقًا جدًا:

ما اللغة التي يخرج بها الإعلان الكبير؟

لم يكن هذا ترفًا بل ضرورة.
فالبلاد إذا قالت كلمةً كبرى بلسانٍ مضطرب،
التبس المعنى لعقود.
أما إذا خرجت بلسانٍ صحيح،
صار الحدث نفسه تفسيرًا لما بعده.

قال محمد:
— لا أريد عباراتٍ ترفع عبد الملك فوق الحد.
ولا أريد لغةً باردة تخفي ثقل ما وقع.
ولا أريد كلامًا يَظهر منه أننا ننقض كل ما قبلنا دفعةً واحدة.
أريد لسانًا يقول الحقيقة كما هي:
أن البلاد بعد طول اختبارٍ وصبرٍ وجراحٍ وعدلٍ وتجربة،
دخلت طورًا جديدًا،
وأن عبد الملك لم يعد فقط الرجل الذي تلتف حوله القلوب،
بل الرجل الذي صارت البوسنة ترى فيه موضع عهدها العام.

وقال شيخ بخاري:
— وينبغي أن يقال بوضوح إن هذا انتقال إلى المسؤولية،
لا إعفاء من المساءلة.
فإن الدول إذا وُلدت بلغة التقديس،
ماتت بها.
وقال عبدالرؤوف:
— وينبغي كذلك أن يُقال إن هذا ليس فتنة خروجٍ على أصل العدل،
بل خروجٌ من فتنة القهر المتفرق إلى اجتماع الحق الممكن.

ظلوا يراجعون الكلمات طويلًا.
يحذفون لفظًا،
ويقدمون آخر،
ويزنون المعنى لا الجمال فقط.
حتى خرج بينهم ما يشبه الهيكل العام للخطاب:
أن يقال إن البلاد — بعد ما رأت وذاقت واختبرت —
قد اختارت أن تدخل عهدًا جامعًا،
وأن عبد الملك هو حامل هذا العهد في صورته الظاهرة،
لا لأن فيه عصمة،
بل لأن البلاد لم تجد بعد طول الامتحان رجلاً أصلح منه لحمل هذا الموضع.

وكان محمد شديد الحرص على هذه النقطة الأخيرة.
يريد للبلاد أن تعلن،
لكن من غير أن تُدخل نفسها في عبودية الصورة.
وهذا من أنبل ما حمله العلم في الرواية كلها.

ولما خرج من المجلس،
شعر بثقلٍ عجيب.
فالكلمات التي تصاغ قبل الأحداث الكبرى
ليست جملاً تكتب ثم تُنسى،
بل أحيانًا تصير من عظام الزمن.