الفصل الأربعمئة وسبعة: العلماء بين التهيئة والمنع
كان محمد يدرك أن الإعلان الكبير،
إن جاء بلسانٍ غير مهيأ،
ربما تحول في عيون الناس إلى مغامرةٍ سياسية،
أو رغبةٍ في الظهور،
أو قفزةٍ فوق مراحل لم تنضج.
ولهذا،
دخل على العلماء في المدينة وما حولها مرحلةً جديدة.
لم يعد يكفي أن يقولوا الحق في الظلم،
ولا أن يشرحوا معنى العدل والخبز والجامع.
صار عليهم الآن أن يهيئوا العقول لمعنى أكبر:
أن البلاد إذا اجتمعت على عهدٍ واحد،
فهذا ليس انقلابًا على السنن،
بل انتقالٌ إليها بعد طول خرق.
جمع ثلاثة من أهل الرسوخ،
ثم خمسة،
ثم عشرات في طبقات مختلفة من غير ضجيج.
وكان يقول لهم:
— لا أريد منكم أن تسبقوا الناس إلى اللفظ،
لكنني أريد أن تسبقوهم إلى المعنى.
علّموهم أن الاجتماع على العدل ليس فتنةً بذاته.
وأن انتقال الحكم من صورة القهر إلى صورة الشورى والميزان
ليس خروجًا على الدين،
بل قد يكون من أظهر وجوه القيام به إذا صحّ أهله.
ثم أضاف:
— وعلّموهم كذلك أن الحاكم العادل لا يُعبد بالولاء الأعمى،
بل يُحفظ بالحق ويُقوّم بالحق.
وكان محمد يعرف أن هذه النقطة من أعظم ما يجب ترسيخه قبل الإعلان.
فإذا ظن الناس أن المطلوب منهم فقط أن يذوبوا في عبد الملك،
فسدت الرواية.
أما إذا فهموا أن المطلوب هو الذوبان في العهد الذي يقوم به ويقوم عليهم،
ثبتوا على وجهٍ أصح.
وفي أحد المجالس،
قال له شيخ وقور:
— أخشى أن بعض الشباب إذا اقترب الإعلان
يتكلمون بلسانٍ يجعل الناس تظن أننا نصنع قداسةً لرجل.
فقال محمد:
— ولهذا يجب أن يسبقهم من يعلمهم.
قولوا بوضوح:
نحن لا نرفع عبد الملك فوق الناس،
بل نضعه في موضع المسؤولية أمام الله والخلق.
وقولوا كذلك:
إن الاجتماع عليه ليس لأنه لا يخطئ،
بل لأنه الرجل الذي صارت البلاد ترى فيه مركز عهدٍ يمكن أن يرد المظالم وينتظم به الناس.
ثم أضاف:
— وإذا أخطأ يومًا،
فلن يكون سكوتنا عنه من الدين.
بل يكون من الخيانة.
وكان لهذا الخطاب أثرٌ بالغ.
لأنه بدأ يطهر الجوّ من التقديس الرخيص قبل أن يتولد.
وفي ختام أحد المجالس،
قال شيخ كبير:
— أحسب أنك الآن لا تهيئ لحدثٍ فقط،
بل تهيئ لضمير أمةٍ صغيرة.
خفض محمد بصره،
ولم يحب العبارة من جهة نفسه،
لكنه فهم ثقلها.
وعرف أن العلم دخل طورًا لا يعود فيه شأنه مجرد درسٍ أو جواب سؤال،
بل صار جزءًا من هندسة الوعي العام.