الجزء التاسع والأربعون: حين حاول الخصم أن يفسد اجتماع الأقدار

الفصل الأربعمئة: الشائعة التي صُنعت لتجرح المعنى

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الأربعمئة: الشائعة التي صُنعت لتجرح المعنى

لم يبدأوا بضربةٍ في السوق،
ولا باعتقال عالم،
ولا بكمين طريق.

بدأوا بما هو أنعم وأخطر:
الشائعة المركبة.

انتشرت أولًا في الدوائر الرفيعة،
ثم تسللت إلى المجالس الصغيرة،
ثم بدأت تنزل إلى الألسنة التي لا تعرف من أين أخذت ما تقول.

قيل في بعض البيوت:
— لعل باب فاطمة ليس إلا خطوةً سياسية،
أراد بها سعيد أن يعطي ابنه عبد الملك صلةً أعلى من قدره الحقيقي.

وقيل في بعض مجالس الرجال:
— وأحمد؟
أليس غريبًا أن يتسع له باب الحرم في الوقت نفسه؟
كأن البيت كله يدفع نفسه إلى فوق دفعةً واحدة.

وقيل في بعض أطراف بخارستان:
— لا نريد أن يُستعمل أصلنا واسمنا وبيوتنا لتجميل مشروع لم يثبت بعد في البلاد كلها.

وقيل في بعض النواحي:
— احذروا،
فربما إذا كبر الباب السعودي والحرم والبخارستاني حولهم،
انشغلوا بأنفسهم عن الأطراف والخبز والليل.

وكانت هذه الشائعة ذكية لأنها لا تكذب كذبًا فجًا.
بل تبني على حقائق جزئية،
ثم ترتبها في صورة توحي بأن الاجتماع ليس قدرًا صادقًا، بل ترتيبًا طموحًا.

وهذا النوع من الشائعات أخطر من الأكاذيب الساذجة.
لأن صاحبه لا يحتاج أن يختلق كل شيء،
بل يكفيه أن يفسر الأشياء تفسيرًا يفسد معناها.

وصلت أولى أطراف هذه الشائعة إلى صفية،
ثم إلى سعيد،
ثم إلى محمد.

قال محمد:
— هذا أخطر مما لو هاجمونا في السوق أو الطريق.
لأنهم لا يضربون حدثًا،
بل يضربون تفسير الحدث.
وقال سعيد:
— نعم.
إنهم يريدون أن يحولوا ما جمعه الله على مدارٍ طويل
إلى شيء يبدو في أعين الناس كأنه مشروع عائلةٍ تحسن ترتيب حظوظها.
ثم سكت، وأضاف:
— ولو استقر هذا المعنى في قلب واحدٍ من الأبواب الكبرى،
لتعبنا كثيرًا في نزعه.

أما عبد الملك،
فكان وقع الأمر عليه شديدًا من جهة أخرى.
فهو يعرف صدق أبيه وأمه وإخوته،
ويعرف أن شيئًا من هذه الأبواب لم يُفتح بالسعي المجرد إلى الرفعة،
لكنّه كذلك يعرف أن الناس لا يرون دائمًا ما يعرفه أهل البيت من الداخل.

قال:
— وكيف نرد؟
أجابه سعيد بسرعةٍ محسوبة:
— لا نرد على الشائعة بالشعور.
ولا بكثرة القسم على النيات.
النيات لا تُبرهن في الأسواق بالكلام.
بل نردّ بأن نظهر للناس أن كل بابٍ من هذه الأبواب ما زال يعمل في موضعه الصحيح،
ولا يطغى على غيره.

ثم قال:
— ومن هنا،
سيكون على كل واحد منا أن يثبت بعمله أن ما قيل كذب في المعنى،
حتى لو لم يكن كذبًا في ترتيب الزمن.

وهنا بدأ الردّ الحقيقي.