الفصل الثلاثمئة والسادس والتسعون: صفية ترى الخيوط تقترب
في ليالٍ مثل هذه،
حين تكاد الأبواب الكبرى تتجمع،
تصير المرأة التي في قلب البيت كمن يرى الخيوط كلها وهي تقترب من عقدة واحدة.
كانت صفية ترى:
عبد الملك وقد بدأ يخرج من رجل القلب إلى رجل البلاد.
عبدالله يشفى ويتحول من عصبٍ منفرد إلى مربي صفٍ ثانٍ.
محمد يشتد حتى صار العلم عنده باب دولة لا درس مسجد فقط.
أحمد يقترب من التثبيت في الحرم.
فاطمة خرج بابها إلى الضوء الرفيع.
بخارستان تدخل من باب الرجال والخبرة.
والنساء يتسعن مع البلاد.
وفي إحدى الليالي،
جلست وحدها طويلًا بعد أن نام البيت أو سكن،
وقالت في نفسها:
— يا رب،
لقد صار كل بابٍ في هذا البيت يفضي إلى أفق.
فلا تجعل الأفق يأكل الأصل.
ثم دخل عليها سعيد،
ورآها في هذه الحال،
فعرف أن قلبها ليس في حزنٍ محدد،
بل في ثقل النعمة كلها.
فقال:
— ما لك؟
قالت:
— أشعر أن الخيوط كلها صارت تقترب من بعضها.
— نعم.
— وأخاف أن يأتي يومٌ لا يعود فيه لكل بابٍ من الأبواب متسعٌ ليتربى على مهل.
نظر إليها طويلًا، ثم قال:
— وهذا هو الذي يجعل علينا أن نختار التوقيت الصحيح لما بعده.
فليس كل ما اقترب يجب أن نخرجه دفعةً واحدة.
ثم أضاف:
— بعض الأقدار يفسدها استعجالُ الإعلان،
وبعضها يفسدها طولُ الكتمان.
وليس هذا يوزن إلا بعقلٍ باردٍ وقلبٍ يخاف الله.
سكتت قليلاً،
ثم قالت:
— وأحسب أن المرحلة القادمة ستكون من هذا الباب.
— نعم.
— باب التوقيت.
— نعم.
ثم ابتسم وقال:
— ولذلك،
لا أزال محتاجًا إليكِ أكثر مما يظن الناس.
فأنتِ تعرفين من نبض البيت ما لا يعرفه الرجال ولو قرأوا ألف علامة في الخارج.
وكان هذا من أجمل ما في علاقتهما:
أنه مع اتساع الدولة والمشروع،
لم ينسَ أن قلب البيت هو الذي يحفظ كثيرًا من توقيت الأقدار من الداخل.