الجزء الثامن والأربعون: الاصطفافُ الواسع

الفصل الثلاثمئة والحادي والتسعون: حين خافت السلطة من الوقت

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الثلاثمئة والحادي والتسعون: حين خافت السلطة من الوقت

أخطر ما أدركته السلطة في تلك المرحلة لم يكن أن عبد الملك صار قويًّا فحسب،
بل أن الوقت نفسه لم يعد يعمل لها كما كان.

ففي البدايات،
كانت تستطيع أن تراهن على التعب،
وعلى طول الطريق،
وعلى أن الناس إذا طال انتظارهم عادوا إلى بيوتهم وقد لبسوا خوفهم اسم الحكمة.
وكانت تستطيع أن تقول لنفسها:
هذا وجه جديد،
وسيبهت.
وهذا بيت صالح،
وسيتعب.
وهذه مدينة قالت نعم،
ثم ستستيقظ على أثمانها فتتراجع.

لكن الذي أقلقهم الآن أن كل مرحلة مرّت لم تُضعف البيت،
بل زادته طبقةً جديدة من الصلابة.
المدينة لم تندم على “نعم” كما كانوا يتمنون،
بل بدأت ترتب يومها عليها.
الجرح الذي أرادوه كسرًا للساق
خرج منه بناءٌ أمتن.
وبخارستان لم تنظر إلى ما يحدث كفورةٍ محلية،
بل بدأت تمد يدها.
والحرم لم يبقَ بعيدًا،
بل أخذ اسم أحمد يثبت فيه على مهلٍ خطير.
والبيت السعودي لم يتراجع عن باب فاطمة،
بل زاد وضوحًا ورسوخًا.

وكان هذا كله يعني شيئًا واحدًا:
أن المشروع لم يعد يتغذى من داخله فقط،
بل صار يجد حوله دوائر اعتراف تزيده عمقًا وشرعيةً وصبرًا.

ولهذا،
اجتمع رجالهم مرةً أخرى،
لكن مجلسهم هذه المرة لم يكن مجلس ثقة،
بل مجلس من يعرف أنه تأخر.

قال أحدهم:
— إن تركناهم على هذا الإيقاع سنةً أخرى،
فقد لا يبقى في الناس من يسأل: هل يصلح عبد الملك؟
بل سيبدأ السؤال:
كيف نلحق نحن به؟
وقال آخر:
— إذن نضرب الآن.
قال الثالث، وهو أدهى من أن يطلب العنف الأعمى:
— نعم،
لكن الضرب الآن لا بد أن يكون على نحوٍ يفسد عليهم الاتساع.
فما عاد يكفي أن نؤذي المدينة.
يجب أن نجعل الأطراف تخاف أن تدخل.
ونجعل البيوت الرفيعة تعيد النظر.
ونجعل بخارستان تتردد.
ونجعل الحرم يبدو بعيدًا عن كل هذا.
ونجعل الناس يقولون:
لعلهم أحسنوا في مدينة،
لكن البلاد أكبر من قدرتهم.

كانت هذه الجملة هي جوهر المرحلة التالية كلها.

لم يعد الصراع على من يملك قلب المدينة فقط،
بل على من يملك تخيل البلاد.
هل تُرى عبد الملك على أنه عقدة العهد التي يمكن أن تنتظم حولها البوسنة؟
أم يُعاد تقديمه كصاحب تجربة محلية لا تصلح إلا لظرفٍ محدود؟

وهنا،
بدأ الخصم يجهز لردٍّ جديد،
لا يعتمد فقط على القوة،
بل على إرباك الصورة الواسعة.

أما سعيد،
فقد كان يقرأ هذا قبل أن تكتمل علاماته.

قال لعبد الملك:
— من اليوم،
لم يعد خصومك يريدون أن يردوك عن المدينة،
بل يريدون أن يحبسوك فيها.
فاحذر أن تتصرف كما لو أن المدينة وطنك النهائي.
ثم أضاف:
— إن أقنعوا البلاد أنك رجل قلبٍ جميل لكن لا تصلح للأطراف،
فقد خسرنا نصف الطريق.

رفع عبد الملك رأسه وقال:
— إذن علينا أن نسبقهم إلى البلاد.
أجابه سعيد:
— لا نسبقهم بخطوةٍ خفيفة.
بل نسبقهم ببناء يجعل البلاد تقول عنا:
نحن نعرفهم من آثارهم،
لا من خوف خصومهم منهم.