الجزء السابع والأربعون: حين بدأت البلاد ترتّب نفسها عليه

الفصل الثلاثمئة والتسعون: حين بدأت البوسنة ترتب نفسها عليه

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الثلاثمئة والتسعون: حين بدأت البوسنة ترتب نفسها عليه

بعد كل هذه الخيوط،
جاءت اللحظة التي شعر فيها سعيد أن العبارة التي كانت بعيدةً في أول الرواية
بدأت تقترب من أن تُقال بصوتٍ أقرب إلى الحقيقة:

إن البوسنة بدأت ترتب نفسها على عبد الملك.

لم يكن هذا يعني أن البلاد كلها دخلت تحت يده بعد،
ولا أن السلطان القائم سقط،
ولا أن كل ناحية أذعنت.
بل كان يعني شيئًا أدق وأخطر:

أن النواحي المختلفة — القلب، والأسواق، والجامع، والقرى، وبخارستان، والحرم، والبيت السعودي —
لم تعد تتحرك كلٌّ منها في فراغٍ منفصل،
بل بدأت تتشكل في وعيها على أنها أجزاء من مستقبلٍ واحد مركزه هذا الرجل.

جلس سعيد مع صفية في آخر الليل،
بعد يومٍ طويلٍ من الرسائل والمجالس والحسابات،
وقال:
— أتدرين؟
أحسب أن البلاد بدأت ترتب نفسها عليه.
نظرت إليه،
ولم تبدُ في وجهها فرحةٌ سهلة،
بل مهابة عميقة، وقالت:
— كنت أخاف هذه الجملة يومًا.
— وأنا كذلك.
— وما زلت أخافها.
— وأنا ما زلت.
ثم تبادلا تلك النظرة التي لم يعد يحتاج كل واحد منهما فيها إلى شرح ما في قلب الآخر.

قالت:
— لأنها إذا صحت،
فإنها لا تعني أن الله أكرمه فقط،
بل تعني أنه حمّله قلوبًا وأرزاقًا ودموعًا وخبزًا وحروبًا ومصائر.
قال:
— نعم.
ولهذا،
لو سمعتِ رجلًا يمدحه بها فاخشي عليه،
لكنني أقولها الليلة في الخلوة لأني أراها ثقلًا لا ثناءً.

ثم أضاف:
— ومن هنا،
سيبدأ الخصوم يرون ما نراه.
وسيتحول ما كانوا يحسبونه مشروع مدينة وبيت
إلى ما يخافون منه حقًا:
مشروع بلاد.

وكانت هذه الجملة هي الباب المناسب لختم هذا الجزء.

فلم يعد الأمر مجرد امتدادٍ أول،
ولا مجرد أبواب تتقارب،
بل صار شيئًا أكبر:

بخارستان دخلت من باب الرجال والخبرة.
الحرم يقترب من أن يثبت أحمد في موضعٍ ظاهر.
باب فاطمة خرج من الصمت إلى الجِدّ العلني الرفيع.
النساء اتسعن مع البلاد.
والمدينة لم تعد نهاية الطريق بل أصله.
وعبد الملك…
صار يدخل في معنى الرجل الذي بدأت البوسنة ترتب نفسها عليه.

ومن هنا،
يفتح الباب لما بعده على مرحلة أشد توهجًا وخطرًا:

أن تُختبر هذه الترتيبات كلها في واقعٍ أوسع.
أن تخرج بعض النواحي من التردد إلى الاصطفاف.
أن يُعلن باب فاطمة في صورته الأوضح.
أن يقترب أحمد من التثبيت الذي سيتحدث عنه الناس.
وأن يبدأ الخصم يشعر أن الوقت لم يعد يعمل له،
فيجمع ما بقي عنده ليردّ على هذه البلاد التي بدأت، لأول مرة،
ترتب مستقبلها على رجلٍ واحد…
لكن لا لأنها عبدته،
بل لأنها رأت فيه عقدة العهد الذي يمكن أن يربطها ببعضها.