الجزء السادس والأربعون: حين بدأت الأرض تعترف

الفصل الثلاثمئة والحادي والثمانون: بخارستان تدخل من باب الرجال

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الثلاثمئة والحادي والثمانون: بخارستان تدخل من باب الرجال

بعد ذلك المجلس بأسابيع أو أيامٍ قليلة،
بدأ أثر الرسائل والوفود من بخارستان يتخذ صورةً عملية.

لم يأتوا بجندٍ ولا بمالٍ يُشاع في الناس،
بل جاءوا بما اختاره محمد وسعيد من البداية:
رجالٍ يعرفون البناء.

وصل إلى البيت رجلٌ من أهل الفقه والإدارة،
ورجلٌ خبر الأوقاف والتعليم،
وآخر عرف كيف تُربى الطبقات الثانية والثالثة من الرجال في البيوت الكبيرة والدول الناشئة.
لم يكونوا أهل ضجيج،
ولم يريدوا أن تُعلّق أسماؤهم على الألسنة،
بل دخلوا كما يدخل الماء إلى جذور الشجر.

جلسوا مع سعيد ومحمد وعبدالله — حين سمح له حاله أن يشارك أكثر —
وتكلموا في ما لا يُرى عادة في الروايات السريعة:
كيف يُكتب الديوان؟
كيف تُوثق الحقوق حتى لا تضيع إذا تغير الرجال؟
كيف تُربى طبقةٌ من القضاة الصغار وكتّاب الأحياء وأمناء السوق؟
كيف يُفصل بين ما هو في قلب الحاكم وما هو في دفاتر المدينة؟
كيف لا تبقى الأخلاق الجميلة معلقة بالرجال وحدهم،
بل تدخل في الهياكل؟

قال الرجل البخاري صاحب الخبرة:
— أكبر ما رأيته يُفسد المشاريع الصادقة أن تبقى صادقةً في قلوب أصحابها،
لكنها لا تتحول سريعًا إلى عاداتٍ مكتوبة.
فإذا مات رجل،
أو جُرح،
أو تغيّر،
ضاع معه من الخير ما كان يجب أن يبقى بعده.
ثم نظر إلى عبدالله كأنه يخاطب جرحه دون أن يسميه:
— والضربات تأتي أحيانًا رحمةً لتعلّمكم هذا قبل أن يتأخر الوقت.

هزّ عبدالله رأسه في سكونٍ عميق.
كان يعرف أن الرجل وضع إصبعه على موضع الألم نفسه.

أما محمد،
فوجد فيهم ما كان يريده:
رجالًا لا يسحرهم الاسم،
ولا يتعاملون مع الدولة الناشئة كفرصة صعود،
بل كوقفٍ ثقيل يحتاج إلى عقلٍ طويل النَّفَس.

ومنذ ذلك الحين،
بدأ في البيت كلامٌ جديد:
دفاتر،
وسجلات،
وتدريب،
ومواثيق،
وتوزيع صلاحيات،
وتعليم رجالٍ من البوسنة ما جاء هؤلاء الرجال ليورثوه قبل أن يرحلوا.

وهكذا،
دخلت بخارستان لا كنسبٍ فقط،
بل كـخبرة أصلٍ.

وصارت صفية ترى في هذا كله معنىً يلامس روحها أكثر من كل مظاهر الاعتراف.
فالأصل لم يعد يبكيها على ما مضى،
بل صار يمد إلى أولادها وأرضها ما يعينهم أن لا يبقى ما يحملونه جميلًا فقط،
بل متينًا.