الفصل الثلاثمئة والتاسع والسبعون: الاسم الذي خرج من المدينة ولم يعد إليها وحدها
لم يعد اسم عبدالملك، بعد ذلك الامتداد الأول، اسمًا يدور في أسواق المدينة ومساجدها وأحيائها فقط،
ولا اسمًا تعرفه القرى التي سبق أن ذاقت شيئًا من عدله،
بل بدأ يخرج على نحوٍ آخر:
يخرج من أفواه الناس وهم لا يتحدثون عنه بوصفه “الرجل الذي نجح هنا”،
بل بوصفه الإمكان الذي بدأت البلاد كلها تنظر إليه.
وهذا التحول لم يكن صاخبًا أول الأمر.
لم تحدث له أبواق،
ولا خرجت له رايات في كل ناحية،
بل ظهر في تلك الإشارات الدقيقة التي يعرفها من يفهم التاريخ قبل أن يكتبه:
رجلٌ من ناحية بعيدة يأتي إلى المدينة لا ليشتكي مظلمة صغيرة،
بل ليسأل:
“كيف فعلتم هذا؟”
شيخٌ من مسجدٍ في طرف البلاد يبعث برسالة لا يسأل فيها عن فتوىٍ مجردة،
بل عن الطريق الذي يمكن أن يحفظ للناس دينهم وكرامتهم معًا.
تاجرٌ صغير في سوقٍ لا يصل إليه كثير من الضوء،
يقول لرفيقه:
“ليتهم يأتون إلينا كما جاءوا إلى المدينة.”
وامرأةٌ في قرية لا تعرف وجوه الحكم إلا من بعد،
تقول لبنتها وهي تخبز:
“إن صحّ ما يقولون عنه،
فإن البلاد تتبدل.”
هذه العلامات لم تكن تخدع سعيدًا.
كان يعرف أن الاعتراف الحقيقي لا يبدأ بقرارات الساسة،
بل يبدأ حين تتغير لغة العامة في وصف الرجل.
قال لعبدالملك في مجلسٍ قصير بعد صلاةٍ أو عند آخر الليل:
— انتبه لهذه المرحلة جيدًا.
الناس الآن لا يختبرونك فقط في ما فعلت،
بل في ما يمكن أن تكونه لهم.
وهذا أخطر.
لأن الرجل إذا صار إمكانًا في قلوب الناس،
إما أن يرتقي إلى حمله،
وإما أن ينكسر تحت صورته.
سأله عبدالملك:
— وكيف أعرف أنني لا أنخدع بالصورة؟
قال سعيد:
— إذا ازداد خوفك من الله مع اتساع الاسم،
فأنت على خير.
وإذا بدأت تحب أن تسمع نفسك في ألسنتهم،
فاحذر.
ثم أضاف:
— والأهم من هذا كله:
لا تجعل البلاد تعرفك بما تقول عنها فقط،
بل بما يصلها من نظامك.
فإن الكلام يسبق أحيانًا الأعمال بأشواط،
ومن لم يُمسك لسان الناس بصدق الفعل،
أكلته ألسنتهم نفسها بعد حين.
وكان هذا صحيحًا أشد الصحة.
ففي الأيام التالية،
بدأ بعض رجال النواحي يأتون إلى مجلسه لا كأفرادٍ متفرقين،
بل كوفودٍ صغيرة تمثل قرى وأسواقًا ومساجد.
لا يطلبون إحسانًا من رجلٍ كريم،
بل يطلبون دخول الأثر إليهم.
وهنا،
فهم عبد الملك أن ما بعد المدينة لن يكون مجرد خروج إلى موضعٍ ثم آخر،
بل سيكون أشبه بانتقال البلاد نفسها من حالٍ إلى حال.