الجزء الخامس والأربعون: ما وراء المدينة

الفصل الثلاثمئة والسادس والسبعون: فاطمة حين صار الصمت جزءًا من زينتها

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الثلاثمئة والسادس والسبعون: فاطمة حين صار الصمت جزءًا من زينتها

أما فاطمة،
فقد دخلت في هذه المرحلة بابًا آخر من التربية.

لم يعد الأمر محصورًا في التهيئة النفسية والخلقية لما سيأتي،
بل بدأت تدخل في مجالس نسائية أرفع،
وتسمع كلامًا أكثر،
وتُرى بعيونٍ تزن وتفهم وتحسب.

وكانت صفية تتعمد ألا تكثر توجيهها في كل صغيرة،
بل تراقب أولًا:
كيف تجلس؟
كيف تصمت؟
كيف ترفع رأسها؟
كيف تردّ إذا سُئلت؟
كيف تحفظ روحها إذا دخلت مجلسًا مليئًا بالهيبة؟

وفي إحدى الليالي،
بعد مجلسٍ خرجت منه فاطمة بصمتها المعتاد،
قالت لها صفية:
— اليوم رأيت فيك شيئًا أحببته.
نظرت إليها فاطمة، وقالت:
— ماذا؟
قالت:
— أنكِ لم تتعجلي أن تُري النساء أنكِ تعرفين.
بل تركتِ لسكينتكِ أن تتكلم.
ثم أضافت:
— كثير من الفتيات إذا دخلن مجالس الكبار،
أحببن أن يثبتن أنهن لسن صغيرات ولا غافلات،
فيتكلفن من الكلام ما يفسد هيبتهن.
أما أنتِ،
فقد فهمتِ أن بعض المقامات لا يرفعك فيها إلا الاقتصاد في الحضور.

فقالت فاطمة:
— لكنني كنت خائفة.
فابتسمت صفية، وقالت:
— والخوف الصالح أحيانًا يجعل المرأة أجمل مما يجعلها الاطمئنان.

ثم اقتربت منها، وقالت بصوتٍ ألين:
— يا ابنتي،
إذا قُدّر لهذا الباب أن يخرج إلى العلن قريبًا،
فستكثر فيك العيون،
وفي العيون آفات:
عين تحسد،
وعين تمجد،
وعين تقارن،
وعين تختبر.
وأريدك أن تظلّي أقرب إلى الله من كل هذه العيون مجتمعة.
ثم أضافت:
— ليكن صمتكِ زينتكِ الأولى.
فإن المرأة إذا حفظت نفسها من كثرة التفسير لنفسها،
بنى الناس لها في قلوبهم موضعًا أثبت من أي مدح.

وكانت فاطمة تسمع،
وقلبها يزداد خشوعًا.
فهي لا تنظر إلى ما يقترب منها كزينة حياة فقط،
بل كقدرٍ سيضعها في موضعٍ لا يليق أن تدخله بخفة.

وفي هذه الأيام،
بدأ اسمها يرد في البيت وفي بعض الرسائل على نحوٍ أوضح،
لكن من غير إعلانٍ بعد.
وكان هذا الصمت نفسه جزءًا من تربيتها.
أن تتعلم كيف تسير إلى بابٍ كبير
ولا تلتفت إلى صدى الخطوات في الطريق.