الجزء الخامس والأربعون: ما وراء المدينة

الفصل الثلاثمئة والخامس والسبعون: أحمد والموضع الذي لم يعد مؤقتًا

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الثلاثمئة والخامس والسبعون: أحمد والموضع الذي لم يعد مؤقتًا

في مكة،
جاء اليوم الذي شعر فيه أحمد أن الباب لم يعد مجرد اقتراب،
بل صار موضعًا يشبه التثبيت الأول.

لم يكن إعلانًا كبيرًا بعد،
ولا منصبًا رسميًا نهائيًا،
لكن أُسندت إليه قراءة في موضعٍ صار يُعاد إليه،
وصار بعض من بيدهم الترتيب في الحرم يتعاملون معه لا باعتباره خيارًا محتملًا فقط،
بل باعتباره واحدًا من الوجوه التي يُبنى عليها.

وفي أول ليلة عاد فيها إلى موضعه بعد هذا الفتح،
جلس وحده طويلًا.
لم يفرح على الصورة التي يفرح بها الناس إذا سمعوا أن أبواب الكبار بدأت تُفتح لهم.
بل شعر بخوفٍ أشد،
لأن الباب إذا اقترب صار يحتاج إلى حفظٍ مضاعف.

دخل عليه الشيخ الوقور الذي كان يتابعه،
ورآه على تلك الحال،
فقال:
— لا أراك منشرحًا كما ينشرح الشباب إذا قُربوا.
ابتسم أحمد ابتسامةً خافتة، وقال:
— أخاف أن أكون قد بدأت أُعرف.
فقال الشيخ:
— وهل كنت تريد ألا تُعرف أبدًا؟
قال:
— لا…
لكنني كنت أرجو أن يسبقني إلى الناس صدقٌ لا اسم.
فقال الشيخ:
— وهذا هو الذي نحسبه قد سبقك.
ثم جلس قريبًا منه، وأردف:
— يا أحمد،
من نعم الله على بعض عباده أن يفتح لهم بابًا قبل أن تفسدهم الرغبة فيه.
فلا تجعل خوفك من الفتنة سببًا لأن تضيق عن نعمته،
ولا تجعل الفتح سببًا لأن تنسى خوفك.
هذه هي المعادلة الصعبة.

ثم قال:
— وقد بلغني أن أخاك في البوسنة يشتد في موضعه،
وأن بيتكم يتسع عليه البلاء والفتح معًا.
فإياك أن تظن أن الله جمع لكم هذه الأبواب لأنكم أسرةٌ مباركة فحسب.
بل لأنه يختبركم أكثر مما يختبر غيركم.
فمن كثرت عليه الأبواب،
كثر عليه السؤال.

خرج الشيخ،
وبقي أحمد طويلًا مع هذه الكلمة.
ثم كتب إلى أبيه:
“أشعر أني بدأت أدخل من موضعٍ لا يجوز لي معه أن أكون قارئًا فقط.
بل يجب أن أكون حافظًا لمعنى هذا البيت من جهة السماء.
وأخاف من هذا أكثر مما أرجو فيه من جميل الذكر.”

فلما وصلت الرسالة،
قرأها سعيد ثم سكت.
وقال لعبد الملك:
— أخوك يثبت في الحرم على الوجه الذي كنا ندعو به.
إذا ثبت هو هناك،
وثبتنا نحن هنا،
فإن الناس لن يروا في هذا البيت سعيًا إلى المُلك فقط،
بل سيرون فيه توازنًا بين الصوت والمعنى.
وهذا أثمن من كثير من الجنود.